ساسي سالم الحاج

32

نقد الخطاب الاستشراقي

الإسلامية وتفسير خروجها من هذه المجدبة الطاردة في نظرهم . ولعل العامل السياسي هو الذي يتبادر إلى الأذهان ، فما دوره في هذا المجال يا ترى ؟ . يقول « مونتجمري وات » في كتابه « محمد في مكة » : « كان النزاع مستمرا في المجتمع التجاري المكي من أجل السلطة ، وكان على التجمعات السياسية داخل المدينة أن تقوم بإنشاء علاقات مع القبائل التي كانت القوافل المكية تتوجه إليها كما تقيم علاقات أخرى مع الدول الكبرى التي تحمل إلى أسواقها سلعها . وهذا موضوع معقد ولكنه من الضروري معالجته في نقاطه الرئيسة لأن محمدا كان منذ البداية رجل دولة » « 1 » . ثم تحدث « وات » بإسهاب عن التجمعات السياسية عند القرشيين ، وشك في العديد من الروايات الإسلامية حول ضروب النزاع والتحالفات العائلية والقبلية عند القرشيين ، وأرجع بعض المعلومات منها إلى أنها قد عدّلت بأخرة على إثر الحوادث اللاحقة كالعداوة بين العباسيين والأمويين . إذ يمكن أن تكون قد أثرت في الروايات حول العلاقات بين بني هاشم وبني أمية . ثم يعود « وات » إلى القول : إنه يمكن على العموم قبول هذه الروايات على أنها جديرة بالثقة . وهو تناقض ظاهر لا نجد له مبررا إلّا عدم استقراره على فرضية علمية واحدة نتجت عنها خاتمة واحدة مقبولة . فكيف يصف بعض هذه الروايات بأنها موضوعة بأخرة لأسباب سياسية ثم يعود لقبولها في عمومها على أنها جديرة بالثقة ؟ ولكن « وات » لم يبين لنا آثار هذه السياسة القرشية على الدعوة الإسلامية وإن كان قد يفهم من سياق حديثهم ذلك النزاع المرير الذي حدث بين بني هاشم وبني أمية قبل وخلال الدعوة الإسلامية وحتى قيام الدولة الأموية ثم القضاء عليها من قبل الأسرة العباسية . وتحدث « وات » عن مكة وأهمية المعبد الكائن بها ، واعتباره « قصيّا » هو مؤسس هذه المدينة التي أصبحت أكثر من تجمع الخيم حول المعبد ، وأنه هو الذي ميّز بين قريش البطاح وقريش الظواهر ، ثم أشار إلى انقسام قريش البطاح إلى فريقين متعاديين هما : بنو عبد الدار ، وبنو عبد مناف . وكيف اعتمد كل فريق على بطون معينة كاعتماد عبد مناف على أسد وزهرة وتيم والحارث بن فهد ، واعتماد عبد الدار على مخزوم وسهم وجمح وعدي . وكيف وقع النزاع المسلح بين الفريقين والذي انتهى بحل فاز

--> ( 1 ) مونتجمري وات ، محمد في مكة ، المرجع السابق ، ص 21 .