ساسي سالم الحاج
23
نقد الخطاب الاستشراقي
وعلى خلاف ذلك « ماسينيون » الذي يشترك مع ماكدونالد في مصداقية محمد وإخلاصه العميق لألوهية دعوته ، ولكنه لا يشاركه في حكمه الثاني الخاص بالمراحل الباثولوجية التي مرّ بها الرسول إبّان مراحل دعوته . فهو يراه - أي الرسول - نبيّا صادقا اضطر بعد هجرته إلى المدينة لاتخاذ كلّ الإجراءات السياسية ، والدبلوماسية ، والاقتصادية والحربية لتحقيق هدفه الأساسي المتمثل في نشر دعوته الإسلامية في الآفاق . فهو نبيّ حقيقي لأنه لا يعطي لنفسه موضعا أكثر مما وضعه اللّه فيه وهو بَشِيراً وَنَذِيراً . ولأنه رفض بشدة أن يمنح صكوك الغفران . ولأنه كان يشاور أصحابه في كل الأمور ولا يقطع رأيا بدونهم . وليس له أية ادعاءات أخرى سوى مهمته النبوية ، ولكنه يرى فيه اتجاها إلى الصوفية الذي يتمثل في الشهادة للّه بالوحدانية وفي إسرائه إلى بيت المقدس للاقتراب منه . ويرى ماسينيون أنه كان بمكنة محمد الاتحاد باللّه إبّان إسرائه لبيت المقدس ، إلّا أنه لم ينتهز هذه الفرصة ، ومن هنا جاء ذلك الحكم الصارم في الإسلام والقاضي باستحالة الاتحاد الصوفي مع اللّه . ولم يجرؤ على خرق هذا الحكم إلّا « الحلاج » الذي دفع حياته ثمنا لذلك « 1 » . أما عن معرفة حياة الرسول الباطنية فإن ماسينيون يعترف باستحالة الولوج إليها لاستجلاء كنهها لنقص الوثائق من جهة ، ولعدم الاستناد إلى السور القرآنية التي جاءت غامضة حولها من جهة أخرى ، خلافا لحياته الخارجية المتميزة بالإرادة القوية ، والاعتدال ، والحذر ، والصبر ، واللطف ، والكياسة ، والنظرة الثاقبة للأمور ، وهي صفات رئيس دولة وقائد حربي مناور امتزج فيه حب النظام بالإيمان العميق « 2 » . وينتهي ماسينيون إلى حكم على الرسول مفاده أنه ليس نبيّا دعيّا محتالا ، يعطي الخرافات والأساطير ، ولكنه كان نبيّا صادقا مخلصا في دعوته . إلّا أنه كان نبيّا سلبيّا لم يتعدّ دوره التذكير باليوم الآخر ، والإشهاد على قومه بأنه أبلغهم رسالات ربه ، وامتناعه عن إعطاء صكوك الغفران ، وهنا - كما يقول ماسينيون - تكمن مصداقية الرسول ، فلو كان نبيّا إيجابيّا - أي أنه ادعى ما ليس فيه - لكان نبيّا مزوّرا .
--> ( 1 ) Massignon ; Les trois prieres d'abraham , op . cit p 16 - 17 , in WAARDENBURG , op . cit , p . 147 . ( 2 ) Massignon , Essai sur les orinines du lexique technique de la mystique musulmane , 1454 , o . 144 , in WAARDENBURG , op . cit , p . 148 .