ساسي سالم الحاج

24

نقد الخطاب الاستشراقي

هكذا أوردنا لمحة من نظرات المستشرقين المتخصصين بالدراسات الإسلامية حول السيرة النبوية . وكان غرضنا من ذلك تعريف القارئ بهذه المنهجية التي سلكها هؤلاء الناس في تفسير حياة نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم . وهي المنهجية التي طالما أشرنا إلى سقمها في مجال الدراسات الإسلامية . ونحن لم نردّ على الآراء التي أتينا على ذكرها ، لأننا قد فعلنا ذلك في أغلب مباحث الجزء الثاني من كتابنا خاصة فيما يتعلق بالوحي الإلهي ، وكيفية تأثر النبي في دعوته بالمصادر الداخلية والخارجية . والذي يهمنا في هذه المقدمة هو الكشف عن الطريقة العلمية التي سلكها المتأخرون من المستشرقين خلافا لأسلافهم في دراسة السيرة النبوية والتي كانت تتسم بالتعصب الشديد والتجريح والإساءة . فأصبحت - طبقا لما أوردناه - تتسم بتطبيق مناهج علمية مادية لا تلائم بطبيعة الحال نظرة المسلم المتدين الذي لا يشك في سيرة نبيّه طبقا لما رواه عنها أسلافه ، ولا يشك في صحة الوحي الإلهي المنزل إليه من السماء ، ويستبعد كلّ العناصر الداخلية والخارجية التي يقول المستشرقون إنها أثّرت تأثيرا بعيدا في دعوته . وللإنصاف نقول : إن ما أشرنا إليه من آراء لأصحابنا الخمسة جاءت خالية من أسلوب القدح والذم والتجريح ، وحاولت تفسير هذه السيرة وفقا لمنظور تحليلي اجتماعي مادي . ونود القول : إن هذا النوع من المنهجية قد طبق على دراسة النبي موسى وعيسى أيضا حيث تعرّضت هاتان الشخصيتان للكثير من الدراسات المادية من قبل الأوروبيين ، وقد لاقت هي الأخرى الانتقاد من الجماعات الدينية التابعة لها . لقد مضى ذلك العهد الذي كانت تكتب فيه الدراسات التاريخية لتشويه شخصية الرسول والإساءة إليه وإلى الدين العالمي الذي جاء به . وإذا حصل من بعض أهل التعصّب والأهواء ذلك - وهؤلاء لا يخلو منهم زمان أو مكان - فإنها تصبح لا قيمة علمية لها ، ولا يلتفت إليها أحد وسيطويها حتما الإهمال والنسيان كما طويا هذا النوع من الدراسات التي أتينا لك بنماذج منها في هذه المقدمة . أما نحن - وفي إطار منهجنا الذي ارتضيناه لأنفسنا - فسنعالج السيرة النبوية طبقا لمنظور المستشرقين المحدثين ، فنسرد آراءهم أولا ، ثم ندرسها ونفهمها حق الفهم ثانيا ، ثم نتصدّى للردّ عليها سلبا أو إيجابا ثالثا . نحدّد دراستنا على مناهج وتحليلات رأينا أنه من المناسب التعرّض لها لما تمتاز