ساسي سالم الحاج

229

نقد الخطاب الاستشراقي

مخصص للعموم في قوله تعالى : وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ « 1 » . وقد تأتي مقيدة لمطلق الكتاب مثل قوله تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما « 2 » ، فالأيدي لم تقيّد بأنها اليمين أو الشمال فدلّت السنّة على تقييدها باليمين ومن الرسغ « 3 » . وقد تأتي ناسخة لحكم ثبت بالكتاب كقول الرسول : « لا وصية لوارث » . فقد نسخ حكم الوصية للوارث بموجب الآية : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ « 4 » . وأخيرا فقد تأتي السنّة بحكم سكت عنه القرآن كالأحاديث الدالة على جواز الرهن في غير السفر ، والحكم بشاهد ويمين المدّعي ، وثبوت ميراث الجدة ووجوب صدقة الفطر ، وصلاة الوتر ، ووجوب الدية على العاقلة « 5 » . فإذا كان المراد بالسنّة على النحو الذي أشرنا إليه في علاقتها مع القرآن فربما كان من صنّفها بأنها وحي من اللّه في حالة ثبوتها قد يستقيم وذلك التقسيم الذي حدّده الفقهاء بتمييزها عن اجتهاد الرسول الذي قد يخطئ أو يصيب فيه . علما بأن اجتهاد الرسول واجتهاد الصحابة في عهده كان موضع جدل وخلاف بين الفقهاء لم يسلّم بإطلاقه أحد . ونحن باستقرائنا العديد من كتب الفقه اتضح لنا أن السنّة النبوية هي مصدر تشريعي في عهد الرسول ، وقد ساهمت في بناء صرح الفقه ودفعت به دفعات قوية إلى الأمام حتى اكتمل بنيانه في العصور اللاحقة . وآية ذلك أن هذه السنّة سواء أكانت قولية أو فعلية أو تقريرية قد أثرت التشريع في هذه المرحلة . فالسنة القولية خاصة تلك المصنّفة تحت مصطلح « السنّة المتواترة » أو السنة المشهورة فإنها قليلة جدّا ، بل إنها هي الأخرى محل خلاف بين الفقهاء . فبعضهم أنكرها أصلا في السنن القولية ، وبعضهم قال بوجودها فيها وإن أقرّ بقلّتها . ومن يستقرئ السنن القولية يجد فيها بعضا من السنن المتواترة ولكنها قليلة فعلا غير أنها ساهمت في التشريع .

--> ( 1 ) سورة النساء ، الآية : 24 . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية : 38 . ( 3 ) زكي الدين شعبان ، أصول الفقه الإسلامي ، مطبعة دار التأليف ، القاهرة ، 1964 - 1965 ، ص 76 . ( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 180 . ( 5 ) زكي الدين شعبان ، المرجع السابق ، ص 77 .