ساسي سالم الحاج
228
نقد الخطاب الاستشراقي
هذه الحالة مرتبة موازية للقرآن في تشريع الأحكام . ولكن الحجج التي يقدمها أصحابها دفاعا عن مكانة السنّة التالية للقرآن من حيث اختلاف طرق ثبوتها وروايتها استدعى الأمر الأخذ ببعضها وترك بعضها الآخر ، فالسنّة الثابتة عن طريق التواتر يجب العمل بها لصحة صدورها عن الرسول ، وما كان منقولا منها بطريق الآحاد وجب العمل به في الأحكام العملية إذا تحققت فيها الشروط التي وضعها الصحابة والأئمة المجتهدون « 1 » . والذي يهمنا في هذا السياق دور السنّة في تشريع الأحكام في عهد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، حتى نتمكن من الرد على المستشرقين الذين أنكروا لها هذه المكانة التشريعية في هذا العهد المبكر من تطوّر الفقه الإسلامي . وبرجوعنا إلى مصادر الفقه المختلفة ، وباستقرائنا للعديد من الحوادث والنوازل المبثوثة في كتب التاريخ والأدب المختلفة اتضح لنا أن هناك خلطا بين ما اعتبره الفقهاء سنّة واجبة الطاعة والتطبيق باعتبارها هي الأخرى وحيا من اللّه كالقرآن . وبين اجتهاد الرسول الشخصي الذي قد يصيب أو يخطئ فيه . ورب قائل يقول : إن اجتهاد الرسول الشخصي قابل للصواب والخطأ ، فإذا كان اجتهاده صوابا أقرّه القرآن على ذلك ، أما إذا كانت الأخرى نزل الوحي بتسديده وإرشاده إلى الصواب . ونحن نرى أن هذه الفرضية مقبولة عقلا ومنطقا ، ولكننا نرى أنها مختلطة بما يطلق عليه بمصطلح « السنّة » باعتبارها وحيا من اللّه كالقرآن سواء بسواء . ولعلّ معيار التفرقة الذي يمكن أن نستخدمه للتفرقة بين السنّة واجتهاد النبي ؛ أن الأولى تتعلّق بشرح وبيان وتفسير الأحكام الكلية أو المجملة أو المقيدة الواردة في القرآن ، فهي - كما نعلم - إما أن تأتي موافقة للكتاب فتكون بالتالي مؤكدة له ، وإما أن تكون مبيّنة لمجمل الكتاب كالأحاديث المبيّنة لكيفية الصلاة وأوقاتها ، وعدد صلوات كل يوم ، وعدد ركعات كل صلاة ، وتلك التي بيّنت نصاب الزكاة ، ومقدار ما يؤخذ من كل نوع منها وغيرها . وإما أن تكون موضحة للمشكل كبيان النبي الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر باعتباره بياض النهار وسواد الليل . وإما أن تأتي مخصصة للعام كقوله عليه السلام : « لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم » فإنّ هذا الحديث
--> ( 1 ) عبد العال عطوة ، المدخل إلى الفقه الإسلامي ، محاضرات مطبوعة على الآلة الكاتبة ، ص 45 .