ساسي سالم الحاج
219
نقد الخطاب الاستشراقي
حلولا لجميع المشكلات التي يتطلبها بناء المجتمع ، ولكنه يرى أن القرآن قد أرسى بشكل قاطع المبدأ القانوني القائل : إن اللّه هو وحده مصدر كل حكم ، وإن طاعته واجبة في كل شؤون الحياة . ويرى أن هذا المبدأ لم يكن قد ترجم بعد إلى بناء قانوني كامل النظام مستوعبا لمشكلات المجتمع الإسلامي ، إلّا أن الأحكام والقواعد القانونية الواردة في القرآن تمثل نقطة الانطلاق في البناء التشريعي الإسلامي ، ذلك البناء الذي أكملته جهود الأجيال المتتابعة من المسلمين « 1 » . ونحن وإن كنا قد أطنبنا في إيراد الشواهد الكثيرة من آراء « كولسون » لأنه الوحيد في نظرنا - من بين المستشرقين الذين نستعرض آراءهم في تطور التشريع الإسلامي في عهد الرسول - قد أطنب في تحليل هذا الدور التشريعي أكثر مما قام به « شاخت أو جولدزيهر » ، فالأول ركّز في كتبه المختلفة على دور السنّة في تكوين الفقه الإسلامي ، والثاني اهتمّ هو الآخر بالسنّة أكثر من اهتمامه بالقرآن في هذه المرحلة . ونود أن نشير أخيرا إلى أن « كولسون » قد حدّد بوضوح دور النبي التشريعي في هذه المرحلة المبكرة من تكوين الفقه الإسلامي . وهو يرى أن الرسول لا بدّ من أن يكون قد واجه في أثناء حكمه بالمدينة كثيرا من المسائل التشريعية ، خاصة تلك التي تثيرها طبيعة الأحكام القرآنية ، وأنه - أي الرسول - كان قد شغل منصب القاضي الأعلى باعتباره الأمين على الوحي والمفسّر لنصوص القرآن العامة والمجملة « 2 » . ويرد « كولسون » مثلا على دور الرسول التشريعي في هذه المرحلة الذي يتعلق بالميراث . فهو يرى أن القرآن قد قدّم إصلاحات جذرية في هذا الموضوع وإن كانت متسمة بالغموض والإجمال ، ولكن الرسول قام بإيضاح هذا الغموض وبيان ذلك الإجمال عندما أقام العلاقة بين أصحاب الفروض الذين حدّد القرآن أنصبتهم في التركة وبين العصبات الذين انحصر الإرث فيهم في القانون العرفي السابق ، وذلك عندما أوجب البدء بتوزيع التركة على أصحاب الفروض أولا ثم يعطي ما تبقّى منها إلى أقرب عاصب ذكر . ثم إن الرسول قد بيّن وجوب ذهاب القدر الأكبر من التركة إلى مستحقيها ، وذلك بتقييد حتى المورث في الوصية إلى ثلث الموروث مما ترك . وهكذا ضمن السنّة مبدأ عدم الإخلال بالتوازن بين استحقاقات الورثة الشرعيين بما نص عليه
--> ( 1 ) Ibid , op . cit , p . 20 . ( 2 ) Ibid , op . cit , p . 22 .