ساسي سالم الحاج

220

نقد الخطاب الاستشراقي

من أنه : « لا وصية لوارث » وهكذا يرى « كولسون » أن السنّة قد وضعت - بمثل تلك الأحكام - الأساس الأول لقيام بناء قانوني مستمد من مبادئ القرآن الأخلاقية ، ولكنه يعود إلى أحكامه التعسفية عندما يقرّر أن الرسول لم يبذل أية محاولة لكي يضع بذلك ما يشبه أن يكون تقنينا كاملا ، مكتفيا بتقديم الحلول للمشكلات المستجدة التي تعرض عليه « 1 » . وإذا كان أصحابنا من المستشرقين الثلاثة الذين أوردنا أقوالهم حول القرآن باعتباره المصدر الأساسي للتشريع الإسلامي ، مع تفرّد كل منهم برأي معيّن حوله ، فإن « جولدزيهر » لم يعتبر السنّة مصدرا ثانيا من مصادر التشريع في هذه الفترة التي نؤرخ لها ، لأنها - حسب قوله - قد تطوّرت شيئا فشيئا حتى وصلت إلى مستوى القرآن كمصدر تشريعي مأخوذ به ، وإن مكانتها التشريعية لم يسلّم بها في العهود الأولى ، ولكنها أصبحت كذلك بعد تطوّر فكرة ألوهية الحديث في القرنين الثاني والثالث بحيث صارت السنّة مكافئة للقرآن « 2 » . رأينا في الجزء الأول ، الفصل الثاني من كتابنا هذا كيف أن « جولدزيهر » درس تطوّر السنّة النبوية ، وأورد الشواهد التي يعتقد أنها مساندة لفرضياته ، وكيف أنه وصل إلى نتيجة مفادها أن معظم الأحاديث التي تناولت المسائل التشريعية وضعت متأخرة عن العصر الإسلامي الأول نتيجة التطوّر الذي شاب الحياة الإسلامية في كلّ مظاهرها الجديدة . واستعرضنا في كتابنا الأنف ذكره كيف أن المستشرق « جونيبول » قد أكّد أن معظم الأحاديث التي تناولت المسائل الفكرية قد وضعت بأخرة إبّان اتساع الدولة الإسلامية ، وكيف أن الرواة استباحوا لأنفسهم اختراع أحاديث تتضمن أقوال وأفعال الرسول وينسبونها إليه ، ومعظم هذه الأحاديث كانت تتناول الحلال والحرام ، والطهارة ، وأحكام الطعام ، وآداب السلوك ومكارم الأخلاق والعقائد وغيرها « 3 » .

--> ( 1 ) Ibid , op . cit , p . 22 . ( 2 ) Goldziher , Etude sur la Tradition Islamique , trad , Francaise , Leon Bercher , 1984 , p . 3 . ( 3 ) جونيبول ، الموسوعة الإسلامية المترجمة ، الجزء السابع ، ص 330 - 335 . مقال « الحديث » .