ساسي سالم الحاج

209

نقد الخطاب الاستشراقي

قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً « 1 » . ففي هذه الآية فإن « الفعل » الأول يبين دور الرسول التحكيمي ، بينما يحدّد الفعل الثاني الصفة الإلزامية لقراراته . وهذا المثال الوحيد دليل على ظهور مفهوم إسلامي لإدارة العدالة « 2 » . ويرى « شاخت » أن الرسول كان يولي اهتماما واضحا ليكون حكما بين قومه فيما يشجر بينهم من خلاف ، وجاء القرآن مؤيّدا لهذا الاتجاه وقد صرّح في العديد من آياته بضرورة خضوع المؤمنين لحكم الرسول لا لغيره . وعندما استقرّ الرسول بالمدينة ، واعتمد في دعم مركزه على سلطة سياسية وعسكرية معتبرة فقد تعدّى دور « الحكم » وأصبح « نبيّا مشرّعا » بحيث قد مارس سلطته بطريقة مطلقة خارج النظام القانوني المتعارف عليه . وبذلك أضحت سلطته دينية في أعين المؤمنين وسياسية في أعين المترددين « 3 » . لقد كان تشريع الرسول في المدينة تجديدا وابتكارا للقوانين العربية . فهو لم تكن لديه - بصورة عامة - أسبابه التي تدعوه إلى تغيير القوانين العرفية المطبقة . ولكن كان هدفه باعتباره نبيّا ليس اختراع وابتداع نظام قانوني جديد بمقدار ما كان يود إبلاغ قومه عن الطرق التي يتصرّفون بها ويعملون على خطاها للدخول إلى الجنة ويتفادون بها عذاب الآخرة ، ومن هنا كان الإسلام بصورة عامة والقوانين الإسلامية بصورة خاصة عبارة عن واجبات تشمل العبادات والأخلاق والمعاملات على حدّ سواء . وهكذا فإن المعايير الدينية والأخلاقية امتدّت لتشمل سائر مظاهر الحياة البشرية ومن ثمّ فلا حاجة ولا ضرورة إلى إنشاء نظام قانوني بالمعنى الضيّق لهذا الاصطلاح . ومن هذه الخاصيات التي تميّز بها النظام القانوني الإسلامي فإننا نجد في القرآن تلك العلاقة التي تربط التحكيم بمبدإ قواعد العدل والإنصاف ، وعدم اللجوء إلى الفساد ، وعدم الإدلاء بشهادة الزور ، وعدم التطفيف في الكيل والميزان ، وضرورة كتابة العقود في المسائل التجارية وغيرها من القواعد القانونية التي كانت تطبق قبل الإسلام والتي أبقى عليها الدين الجديد بعد إدخال التعديلات اللازمة عليها لتتوافق والمبادئ العامة التي جاء بها « 4 » . وبصورة

--> ( 1 ) سورة النساء ، الآية : 65 . ( 2 ) Schacht , I . D . I , op . cit , p . 22 . ( 3 ) Ibid , op . cit , p . 22 . ( 4 ) بتصرف من عندنا . 23 - 22 Ibid , op . cit ,