ساسي سالم الحاج
197
نقد الخطاب الاستشراقي
الدراسات صادرة عن الأحكام الشخصية المسبقة التي تتأثر بالعاطفة والهوى أكثر من تأثّرها بالحقائق الدامغة التي لا يطال الشك مصداقيتها . فالسيرة النبوية تحتاج إلى منهج إسلامي خالص لدراستها . وهذا المنهج يعتمد في الدرجة الأولى على إيمان الباحث بصدق الرسالة المحمدية واستمداد معارفها من المصادر العلوية . وإذا كان الإيمان لا يتحقق لدى هؤلاء المستشرقين فإنه ينبغي على الأقل احترام المصادر الغيبية لهذه الرسالة السماوية . كما يعتمد المنهج الإسلامي على منهج موضوعي يقود إلى حقائق المادة المدروسة دون فرض الفروض المتعسّفة أو إصدار الأحكام المسبقة ونبذ وتجاوز سائر الإسقاطات التي تعرقل الوصول إلى الحقائق العلمية المجرّدة . لقد حاول أصحابنا - ممن اعتمدنا على أبحاثهم - أن ينصفوا الرسول في الكثير من أعماله وأقواله وتصرّفاته . وأن يبرّروا العديد من تصرّفاته التي لا تتلاءم ومعطيات العصر الحديث ، وأن يشهدوا بعظمته وإخلاصه وصدقه ، وأن يضعوه في المرتبة الأولى من أبطال التاريخ . ولكنهم عادة ما يتعسّفون في إصدار أحكامهم التي لا تستند إلى الأدلّة والبراهين العلمية السائغة . ولعلّ السبب في عقم مناهج المستشرقين في مجال الدّراسات الإسلامية بصورة عامة ، والسيرة النبوية بصورة خاصة أن هؤلاء الباحثين إما أن يكونوا ماديين علمانيين لا يؤمنون بالتصورات الغيبية ، ولا بالأفعال اللااعتيادية ، ويضعون كل شيء تحت مجهر الحقائق المادية العادية ، وإما أن يكونوا من اليهود أو النصارى وبالتالي فإنهم لا يؤمنون بالديانة الإسلامية ويشكّكون في مصدرها الإلهي ، ويعتبرونها على الأقل من الأعمال الإنسانية العظيمة التي لا علاقة لها بالفيض الإلهي . وهكذا عندما تدرس أفكار وتحاليل هؤلاء الناس فإنك تجدهم يشكّون في العديد من الحوادث والأخبار التاريخية التي أجمعت على صحتها معظم المصادر الإسلامية . ورأيت كيف أنهم أثاروا الشكوك حول سنة مولد الرسول ، وحول اسمه ، وفي وجوده أصلا . وهكذا قامت دراسة السيرة النبوية على الشك والنفي في كل شيء ، كما أن المناهج الاستشراقية التي تناولت السيرة النبوية اعتمدت على مقابلة حوادثها بما هو حاصل في زماننا وظروفنا ، ولا ينظرون إليها بمعيار زمانها ومكانها ، وهذا خطأ منهجي كبير لأن الحكم على الحوادث التاريخية مرهون بظروفها التي حصلت فيها .