ساسي سالم الحاج
198
نقد الخطاب الاستشراقي
لقد أصاب المستشرق الهولندي « سنوك هرجرونيه » كبد الحقيقة عندما أعلن أن سيرة محمد الحديثة تدل على أن البحوث التاريخية مقتضي عليها بالعقم إذا سخّرت لأية نظرية أو رأي مسبق . كما أن المناهج العلمية الحديثة تحتاج إلى معرفة الكثير من العوامل والظروف البيئية والزمنية خاصة تلك القوى الباطنة التي لا تقع تحت مقاييس العقل والمنطق والتي يعمل بتأثيرها الأفراد والجماعات « 1 » . لقد رأينا كيف أن من تعرّضنا لدراساتهم حول السيرة النبوية حاولوا رد أصولها إلى عوامل خارجية تتمثل في الديانتين اليهودية والمسيحية . وهذه الهوة سقط فيها كل المستشرقين بلا استثناء . وقد انتهز هؤلاء القوم ذلك التشابه بين الديانة الإسلامية والديانتين السماويتين السابقتين لها فحكموا عليها بعدم الأصالة واعتبروها عالة على ما قبلها من الديانات . ولكنهم لا يبرزون تلك الاختلافات الأساسية والجوهرية التي تفرق بينهما وهذا خطأ منهجي بحت طالما أثبتنا عقمه ، وعدم صحته وتهافت حججه . لعلّك أيها القارئ الكريم تستنتج من تلقاء نفسك تلك الهنات والشبهات التي شابت دراسة هؤلاء القوم في مجال السيرة النبوية بعد قراءتك للمباحث الأربعة التي سطرناها لك . ولعلّك تدرك بقريحتك وحصافتك تلك الأخطاء المنهجية التي وقعوا في براثنها دونما حجج وأدلّة سائغة . ولعلّك أخيرا باستقرائك لردودنا عليها في مظانها توافقنا على أننا قد وضعنا أيدينا على تلك المواطن الضعيفة من مناهجهم . فإذا كان الأمر كذلك . وإذا كنا مقرّين منذ البداية على أن ردودنا لم تشمل إلّا الشبهات الكبيرة والمؤثرة تاركين التفاصيل والجزئيات إلى فرصة أخرى فإننا نقترح عليك الآن دراسة منهجية وآراء هؤلاء القوم حول الفقه الإسلامي ، فما آراؤهم بالخصوص يا ترى ؟ . هذا ما سنعالجه في الفصل المقبل والأخير بإذن اللّه .
--> ( 1 ) عماد الدين خليل ، المستشرقون والسيرة النبوية ، مقال في مناهج المستشرقين ، ص 133 .