ساسي سالم الحاج

190

نقد الخطاب الاستشراقي

في معركة الخندق . فارتضته بنو قريظة على ذلك ، وقد طلبت سابقا أبا لبابة للتفاوض معهم . وعندما قدم إليهم حليفهم القديم ورأى حالتهم السيّئة وخوفهم من المصير المجهول الذي ينتظرهم وسؤالهم له عمّا سيحدث لهم أشار لهم بيده إلى حلقه ومعناه ينتظرهم الذبح والاستئصال . وعندما استسلمت بنو قريظة حفر لهم المسلمون خنادق كبيرة وقادوهم جماعات جماعات مكتوفي الأيدي ، فضربت أعناقهم باستثناء بعض الأشخاص الذين شفع فيهم أصحابهم من المسلمين . وكانت إحدى النساء اليهوديات لاقت نفس المصير لأنها ألقت على أحد المسلمين حجرا فقتله . يقول « رودنسون » : إنه من الصعوبة بمكان إصدار حكم على مجزرة بني قريظة . لأنه يجب الأخذ بعين الاعتبار أخلاق وطبائع ذلك الزمان المتسمة بالقسوة والصرامة . ولكن بعض الوقائع المصاحبة لهذه الحادثة تلقي بظلال من الشك حول تفاصيلها . ولو اعتقدنا صدق قصة أبي لبابة . فهل كان قرار استئصال بني قريظة قد حدّد سلفا ؟ . وهل كان الرسول على علم برأي سعد بن معاذ الذي طلب من اللّه أن يطيل في عمره حتى يشترك في قتال بني قريظة ويستأصل شأفتهم ؟ . وهل كان قرار الرسول بتفويض سعد بن معاذ في قضية بني قريظة لأنه يعلم مسبقا رأيه فيهم وهو حليف لهم ؟ . ويرى « رودنسون » أخيرا أن المجزرة قد وقعت لأسباب سياسية وبسبق إصرار . فبنو قريظة يجسدون خطرا دائما على الرسول في المدينة ، ولو تركهم يغادرونها كبقية أضرابهم لتقوّت بهم الطائفة اليهودية المتجمّعة في خيبر فالأموات فقط لا يعودون . يضاف إلى ذلك أن هذا الإجراء القاسي يفتّت من عضد أعدائه . وبالتالي فإن الحل الذي قرّره لهم هو أفضل الحلول من الناحية السياسية . ونحن نعلم أن رجال السياسية لا يعيرون الاعتبارات الإنسانية أهمية ما لم توظف للأغراض السياسية . وعندما انبلج الفجر الأحمر لشهر مايو عام 627 ميلادية على مقابر بني قريظة الجماعية استطاع محمد استشراف المستقبل بثقة واطمئنان « 1 » . وعندما عالج « موير » هذه القضية ، فإنه لم يخرج عن الإطار العام الذي عالجها فيه كلّ من « وات » و « رودنسون » وإن كان أكثر تفصيلا في إيراد الوقائع . وأقل تحليلا

--> ( 1 ) RODINSON , Mahomet , op . cit , p . 248 .