ساسي سالم الحاج
191
نقد الخطاب الاستشراقي
من زميليه بالرغم من الأوصاف المأساوية التي يطلقها على هذه الحوادث ، والتي لم يراع فيها الظروف الزمانية والمكانية المحيطة بها . ونحن بعد أن عرضنا عليك آراء المستشرقين حول علاقة المسلمين باليهود في المدينة المنوّرة يجب علينا أن نرد على بعض الشبهات التي أثيرت بالخصوص طبقا لمنهاجنا الذي سرنا على منواله . ونرى منذ البداية أن أصحابنا الثلاثة قد عذروا الرسول في اتخاذ هذه القرارات التي تعتبر قاسية بمعيار زماننا . ولكننا نراها غير ذلك لو قابلناها بالإبادة الجماعية التي أصابت البشرية عبر مسيرتها الحضارية والتي لا تزال تطبق إلى يوم الناس هذا . فكيف يمكن التأسي على قتل بضع مئات من الأشخاص كانوا يهدّدون الرسول في وجوده ولا نتأسّى على المذابح اليومية التي يقوم بها الكيان الصهيوني في لبنان وفلسطين المحتلة ؟ . وكيف يمكننا أن نطلق على الأفعال التي قام بها الرسول دفاعا عن نفسه ضد أعدائه ب « المأساوية » و « اللاإنسانية » بينما تستمر المذابح والإبادة الجماعية في أصقاع عديدة من العالم بدون شفقة ولا رحمة ؟ . ولكن دعنا من هذا كله وانظر إلى الأسباب الحقيقية التي قادت الرسول إلى اتخاذ مثل تلك الإجراءات التي لا مناص له من القيام بها والتي تتحدّد في بداية معارضتهم للرسول بعد أن عقد معهم وثيقة الأمان والاطمئنان فأظهروا بداية الرغبة في التعاون معه آملين في أن تتغيّر الظروف مستقبلا لمصلحتهم باعتناق محمد ديانتهم أو قضاء قريش عليه ، ولكن عندما لاحظوا ارتفاع نجمه ، وانتشار دعوته ، وكثرة أتباعه ، وتعدّد انتصاراته ، ومخالفته لهم في العديد من العبادات والمعاملات أخذوا يتآمرون عليه ، ويحيكون الدسائس ضده ، ويؤلبون عليه أعداءه ، وكانوا سببا مباشرا في بروز المنافقين في المدينة . فقد بدءوا حرب الجدل والمناظرة الذي يحسنون استخدامه ، وكان له تأثيره الواضح في الكثير من المنافقين الذين تأثروا بهذه الدعاية الفكرية المنظّمة وقد ردّد القرآن هذه الظاهرة بقول اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ « 1 » . ونستنتج من سياق هذه الآية تأثّر بعض سكان المدينة من أهل اليهود في مجادلاتهم الفكرية ضد الرسول وأنهم أطاعوهم فمردوا على النفاق واستطالوا فيه . ولو رجعت إلى كتب التراث لوجدتها مليئة بتلك المجادلات الفكرية التي نصبها اليهود للنبي والمسلمين ، ولاطّلعت على سوء أدبهم ، واستطالتهم على الرسول
--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 100 .