ساسي سالم الحاج
181
نقد الخطاب الاستشراقي
وعندما عالج « وات » السرايا الإسلامية الأولى ضد القوافل التجارية القرشية والتي أدّت في النهاية إلى معركة بدر فقد شكك خلافا ل « موير » في معظم الروايات الإسلامية التي تناولت تفاصيلها . ولكنه يبرر هجوم المسلمين على المشركين في الأشهر الحرم ويراه أمرا لا تثريب عليه وأنه لم يرتكب عملا غير معيب أو مشرف ، لأن طابع الأشهر الحرم كان مرتبطا بالديانة الجاهلية التي كان يحاربها . وقد حسم القرآن هذه القضية بصورة قاطعة عندما قال : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ « 1 » . وعندما تعرّض « وات » لمعركة بدر أشار إلى بواعثها ، وتفصيلاتها ، ويذكر أن القرشيين عندما أزمعوا السير إلى بدر بعد أن تناهى إلى علمهم إنقاذ قافلتهم المهددة كانوا يريدون تخويف الرسول وأنصاره ومنعهم من غزو القوافل مستقبلا ، كما أن المسلمين بدورهم لم يكونوا ينتظرون الدخول في معركة عند سيرهم ، ولو علموا ذلك لامتنعوا عن السير « 2 » . ويستنتج « وات » من استقراء الروايات الإسلامية المختلفة أن الأنصار لم يتعهّدوا بالدفاع عن محمد إلّا داخل أراضي المدينة ، وأن محمدا قبل خوض القتال ، اجتمع بهم وطلب إليهم فيما إذا كانوا سيساندونه في هذه الظروف « 3 » ولكنه لم يشر إلى مقالة سعد بن عبادة التي برهن فيها على ولاء الأنصار له ، وأنهم سيخوضون معه أي معركة مهما كانت نتائجها ، وأنهم سيستعرضون معه البحر لو استعرضه . وهذه المقالة تدل على أن بيعة العقبة الثانية كانت تتضمن الدفاع والهجوم على حدّ سواء . وعدّد « وات » العوامل التي ساعدت المسلمين على الانتصار في معركة بدر ، ويرى أن أهمها عدم الوحدة بين صفوف القرشيين وانسحاب عدد كبير منهم قبل المعركة . وأن الباقين منهم لم يكونوا أنصارا مخلصين لأبي جهل . كما أن حماس المسلمين وقوة أرواحهم المعنوية وإيمانهم بحياة ثانية بعد استشهادهم ساعد على حسم المعركة لمصلحتهم . وينفي « وات » عن الأنصار تلك الصفات العسكرية المتفوقة على
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 217 . ( 2 ) مونتجمري وات ، محمد في المدينة ، المرجع السابق ، ص 18 . ( 3 ) المرجع السابق ، ص 21 .