ساسي سالم الحاج

179

نقد الخطاب الاستشراقي

قيادة هؤلاء المتطوعين بنفسه ، وقد كان يتمتع باستراتيجية عسكرية ممتازة كما كان يتميّز بذات الاستراتيجية في القضايا السياسية . وكان يطبق مبدأ الخداع والمراوغة واشتهر عنه قوله : « الحرب خدعة » . وعندما تنتهي البعثات العسكرية يعود كل متطوّع إلى أسرته بالغنائم التي حصل عليها . وكان الرسول هو الذي يرسم السياسة الخارجية وينفّذها حفنة من أنصاره المخلصين له . وكان الأمن الداخلي يقوم به بعض الشباب المتحمّسين له ولأفكاره وكانوا مستعدّين دوما لتنفيذ الأوامر الصادرة لهم خاصة ضد أعدائه ممن يسيئون إلى سمعته أو يهجونه بأشعارهم المقذعة . وكان بيت المال لا يتميّز عن أموال محمد الخاصة . وعندما فرض الجزية على القبائل المسيحية التي سيطر عليها والتي لم تعتنق الإسلام ، وفرض على أتباعه من المسلمين الزكاة فإنه أخذ يوزّعها على المحتاجين من أمته طبقا للتعاليم القرآنية بالخصوص . وهكذا تقرّر في المدينة شكل الدولة الإسلامية ، وشرعت جميع الأحكام المنظّمة لها في كلّ مجالات الحياة . ونزلت آيات الحدود التي تبيّن القانون الجزائي الإسلامي . كما نظّم الرسول الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وإرث . وحاول إلغاء الرق وحصره في أضيق نطاق ودعا المسلمين إلى عتق عبيدهم وجعل العتق نوعا من الكفارة عن الذنوب . وفي مجال القانون المدني أباح البيع وحرّم الربا . وهكذا نظّم الدولة الإسلامية في جميع مجالاتها من عبادات ومعاملات وأصبحت متميّزة بمؤسساتها وأجهزتها وإداراتها ولكن تسيطر عليها الناحية الدينية ، ومن هنا كان قول المسلمين : إن الإسلام هو دين ودولة في آن واحد « 1 » . فإذا وصلنا إلى هذه النتيجة التي سطّرها المستشرقون حول دور الرسول في بناء الدولة الإسلامية الجديدة بما لها من خصائص ومميزات خاصة فإنه لم يبق لنا إلّا التعرّض للمنازعات الحربية التي خاضها الرسول ضد أعدائه من المشركين واليهود . إن البحث العلمي الصارم يلزمنا التعرّض لهذه النقطة قبل دراسة وتحليل بناء

--> ( 1 ) بتصرف شديد . Ibid , pp . 258 - 270 . وانظر في نفس السياق مونتجمري وات ، محمد في المدينة ، المرجع السابق ، من ص 365 إلى 461 . ويظهر من الدراسة المقابلة التي أجريناها بين وات ورودنسون أن الأخير استقى معلوماته تفصيليا من الأول ويجنح كذلك إلى تأييده في جميع تحاليله .