ساسي سالم الحاج
171
نقد الخطاب الاستشراقي
الذي ما إن يندلع لأحد الأسباب حتى يستمر في حلقة مفرغة لا نهاية لها . ورغبة من الرسول في نشر السلام الداخلي لمصلحة الجميع فإن اللّه أوحى إليه أن يخضع الجميع إلى حكمه في جميع الخلافات التي تنشب بين أتباعه إلا أن الأدوات التنفيذية لتحقيق هذه الأهداف المتمثلة في نشر السلام الجماعي لا تتجلّى إلا في قوة الرأي العام وفي القسامة Serments Solonnels حالة كون الرسول لم ينظم بعد قوى الأمن وبيت المال لتحقيق هذه الأهداف . وهكذا فإن الأمر اقتضى كل مهارة الرسول وذكائه وحصافته وكياسته ليجعل من هذه السلطة المعنوية سلطة فعّالة ، ولم يصل أبدا إلى تحقيق سلطة الدولة طبقا لما هو موجود لدى القوى المجاورة له « 1 » . وهكذا قبل المجتمع المدني دور الرسول التحكيمي ، خاصة من قبل تلك القبائل الضعيفة التي عانت الأمرّين من تصرفات زعمائها وقد رغبوا في أن يسود الأمن والسلام في واحتهم ، وليس عليهم مقابل ذلك إلا الاعتراف بوحدانية اللّه ، والاعتراف بأن ما يتنزّل على الرسول إنما هو وحي من اللّه ، وهذه الأمور يمكن قبولها بسهولة . وقد ساهم في قبول هذه الأمور الرئيسة تصرّفات الرسول العاقلة ، وخلقه العظيم ، وذكاؤه الحاد . وقد تعجّب المدنيون من غفلة القرشيين وغبائهم عندما حرموا أنفسهم من هذه الشخصية الهامة المؤثرة « 2 » . إلا أنه بجانب هذه الاستنباطات الإيجابية ، فإن المستشرقين استنبطوا من الظروف المحيطة بالدعوة الإسلامية خلال هذه المرحلة أن مكانة الرسول السياسية ليست واسعة بالمدينة طالما كان دوره مقتصرا على التحكيم في النزاع الناشب بين الأطراف المتنازعة . وحاولوا إيراد العديد من الوقائع التي تساند تخرصاتهم هذه ، من ضمنها أن الرسول لم يكن متمتعا بسلطة عليا في المدينة حتى عندما تعرّضت سمعته الأسرية للضرر بعد « حديث الإفك » الذي روّج له ابن أبي ابن سلول - زعيم الخزرج - والذي لم يستطع الرسول أن يتعرّض له مباشرة . كما تجلّى ضعفه في عدم استطاعته إصدار أي حكم بنفسه عندما تبدّت له خيانة بني قريظة ، ولهذا ترك تقرير العقوبة إلى زعيم القبيلة التي كانت قريظة حليفة له « 3 » .
--> ( 1 ) بتصرف كبير . RODINSON , MAHOMet , OP . CIT , P . 187 . ( 2 ) Ibid , op . cit , p . 187 . ( 3 ) مونتجمري وات ، محمد في المدينة ، المرجع السابق ، ص 348 - 349 .