ساسي سالم الحاج
172
نقد الخطاب الاستشراقي
ولكن بالرجوع إلى المصادر الصحيحة ، وبعد استقراء الحوادث والظروف المحيطة بالرسول والدعوة الإسلامية في مرحلتها الجديدة فإن الأمر لم يكن كما تصوّره المستشرقون . ذلك أن الرسول بعد وصوله إلى المدينة وجدها منقسمة إلى عدة فرق عرقية ودينية . وكل فريق يفكّر ويقرّر بطريقة تخالف الفريق الآخر . فهناك العرب واليهود . وهناك الأوس والخزرج ، وهناك المسلمون والمشركون من أهل يثرب . وتقتضي الأمور من الرسول أن ينظم هذه الفرق ، ويجمع بينها ، ويوائم بين تطلعاتها ومعتقداتها . وكان هدفه الأساسي توحيد صفوف المسلمين منعا لإعادة العداوة والشقاق فآخى بينهم ، كما آخى بين المهاجرين والأنصار ، وقضى بذلك على تلك الفرقة والشقاق الذي حكم حياة الأوس والخزرج سنين طويلة ، وقضى على الحساسية التي ربما قد تنشب بين المهاجرين والأنصار . ثم حاول توثيق العهود والمواثيق بين الجماعة الإسلامية واليهود فربطت بينهما علاقة طيبة استمرت حسنة في بداية أمرها إلى حين ظهور الشقاق بينهما . وقد كتب تلك الوثيقة التي أشارت إليها المصادر الإسلامية لتوثيق عرى الأخوّة والصداقة بين هذه القبائل المختلفة والمنتمية إلى اتجاهات وديانات مختلفة . وتعتبر هذه الوثيقة فتحا جديدا في الحياة السياسية والحياة المدنية في عالم ذاك الزمان . وبعد أن حقق الرسول وحدة المسلمين الوطنية ونزلت الفرائض كالصيام والزكاة وإقامة الحقوق . وتبلورت الجماعة الإسلامية فأصبحت قوية مرهوبة الجانب . استطاع أن ينتقل إلى المرحلة الثانية من مراحل دعوته وهي مواجهة أعدائه القرشيين ونشر دعوته في آفاق وعوالم أوسع وأرحب من أفق مدينته . وهو عندما أمره اللّه أن يكون حكما بين المسلمين لفضّ النزاعات التي تثور بينهم بالحسنى ، فقد قضى بذلك على بذور الفتنة والشقاق التي كانت تهدد دوما الوحدة الإسلامية وتفرّق بين القبائل المختلفة . وهي خطوة ضرورية وأساسية لانصياع الناس إلى حكم العقل والمنطق لا حكم القوة والأخذ بالثأر . ومن هنا ندرك ذكاء الرسول وفطرته السليمة وآراءه السديدة ، فالدول والأمم تبنى بالتطور والتدرّج حتى تصل إلى الكمال . وهذا الدور المحمدي الذي حاول المستشرقون التقليل من شأنه لم يكن بسيطا كما يتراءى لهم إذا أخذنا في الحسبان الظروف الاجتماعية والقبلية التي كانت تعيشها تلك الأقوام في ذلك الزمان . ولم يكن هذا الدور التحكيمي يقلّل من دور الرسول الديني الذي هو رئيسه وملهمه وداعيه بلا منازع . وكم كان المسلمون يخضعون ويستسلمون إلى آراء الرسول