ساسي سالم الحاج
170
نقد الخطاب الاستشراقي
أتينا على بيانها فإنهم لاحظوا أن هذه الوثيقة ليست دليلا صادقا على مكانته حين وصوله إلى المدينة ، لأن سلطاته المبيّنة فيها ليست واسعة ، والشيء الوحيد الذي تقرره صراحة بالنسبة إليه هو أن جميع الخلافات الناشئة بين هذه المجموعات يجب أن تعرض عليه « 1 » . كما أن هناك نصّا غامضا في البند ( 36 ) من الوثيقة يفهم منه عدم خروج أي أحد في مهمة عسكرية إلا بإذن الرسول ، وأنه لا ينحجز على ثأر جرح ، وأنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته إلّا من ظلم وأن اللّه على أبرّ هذا . ويرى « وات » أن الرسول في هذه المرحلة لم يكن رئيسا لدولة ثيوقراطية . ولكن يمكن اعتباره كزعيم للمهاجرين طبقا لمدخل الوثيقة التي أشير فيها إليه ب « محمد النبي » . وهذا يعني أنه كان مساويا لزعماء مختلف القبائل . غير أنه لمّا كان المهاجرون مذكورين قبل غيرهم في هذه الوثيقة فلربما كان لمحمد أولية شرفية بين زعماء القبائل . أما البند الذي ينص على عرض جميع الخلافات على النبي فلم يكن هدفه زيادة سلطانه إذ إن له من الحس السليم والدبلوماسية ما يؤهله لإيجاد التسوية التي تؤدّي إلى اتفاق عام « 2 » . ويستنبط المستشرقون من نصوص الوثيقة أن تركيب المجتمع الإسلامي في المدينة لم يرق بعد إلى مستوى الدولة التي لها السلطة العليا في إقرار النظام بفعل قوى عامّة مرتبطة بالمجتمع . فلكل مجموعة عرقية رئيسها الذي يستمد سلطاته عن طريق قبول أتباعه بزعامته عليهم ، والأمن والنظام مستقرّان عن طريق الخوف من الثأر . ولكن من خلال هذا النظام ذي الطابع العربي الصرف دخل عنصر جديد له طبيعة خاصة مختلفة ألا وهو « محمد » . هذه الشخصية التي لا تتمتع بسلطة مطلقة ، وتمتاز بأنها تتلقى الوحي من اللّه . فهو زعيم المهاجرين بدون منازع ، ولكنه يعتبر زعيما دينيّا للمسلمين بالمدينة . وقد أعطيت له مهمة التحكيم بين الناس فيما يشجر بينهم من خلافات لنشر السلام والأمن بين الجماعات الإسلامية في المدينة ولمنع الأخذ بالثأر
--> ( 1 ) أ - مونتجمري وات ، محمد في المدينة ، المرجع السابق ، ص 347 - 348 . ب - رودنسون ، محمد ، المرجع السابق ، بالفرنسية ، ص 185 . ( 2 ) أ - مونتجمري وات ، محمد في المدينة ، المرجع السابق ، ص 348 . ب - رودنسون ، محمد ، المرجع السابق ، بالفرنسية ، ص 186 . ويجب ملاحظة أن هناك تطابقا في تحاليل كل من وات ورودنسون حول هذه النقاط . وبالتالي فإننا نكتفي بإيرادها مع الإشارة إلى مصدر كل منهما منهما للتكرار .