ساسي سالم الحاج
169
نقد الخطاب الاستشراقي
وعندما يحلّل « رودنسون » هذه الوثيقة يسترعي انتباهه نصّ خاصّ يفهم منه قبول الرسول للتعايش السلمي مع مشركي المدينة ، تاركا للمستقبل إمكانية اعتناقهم للإسلام . وقد ورد في هذا النص « أنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ولا يحول دونه على مؤمن » « 1 » ، كما يشير البندان 14 و 15 من ذات الوثيقة إلى وجود الكفار بين الأمة الإسلامية إلا أن اليهود لا يدخلون ضمن هذا التصنيف ، وإن كان البند الرابع عشر يفرق بين المؤمن والكافر فيما يتعلق بالقود والنصرة ، حيث ينص على أنه لا يقتل مؤمن مؤمنا في كفار ولا ينصر كافرا على مؤمن « بند 14 » وأن ذمة اللّه واحدة : يجير عليهم أدناهم ، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس « بند 15 » . وهكذا فإن الجماعة الإسلامية لا تتكوّن من أفراد ولكنها تتألّف من مجموعات ، فالمهاجرون يؤلفون مجموعة ، والأنصار بقبائلهم يؤلّفون مجموعة ، واليهود يكوّنون مجموعة وهم مرتبطون بتحالف مع القبائل اليثربية ، وكل قبيلة من قبائل اليهود الثلاثة تكوّن مجموعة بذاتها « 2 » . وهكذا أصبحت هذه الوثيقة تنظم الشؤون السياسية والاجتماعية للمجتمع الإسلامي الجديد في المدينة . وقد قررت معظم الحقوق والحريات الأساسية المبثوثة في الدساتير الحديثة . فهي قد قرّرت منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة حرية الرأي ، وحرية العقيدة ، وقدسية الحياة وحرمتها ، وحرمة المال ، وتحريم الجريمة ، ونحن نرى أن هذه الوثيقة كتبت قبل معركة بدر لا بعدها . لأنها نظّمت المجتمع الإسلامي إبّان وصول الرسول إلى المدينة . وأصبحت ركيزة أساسية لبناء الدولة الجديدة التي تحتاج في هذه الفترة إلى تنظيم أمورها ، وإقرار المبادئ الأساسية التي تعتمد عليها حتى يطمئن بال المسلمين ، وينصرفوا إلى تثبيت عقيدتهم والجهاد في نشرها . ولا تستطيع هذه الجماعة أن تدخل في صراع مسلّح مع أعدائها ما لم تكن قد رتبت بيتها . وأسست قاعدة صلبة لانطلاقها . ولا يتم ذلك إلا بالسلام الاجتماعي بين طوائف المجتمع المختلفة لنشر السلام والوئام بينها . وهو ما فعله الرسول في هذه الفترة . وعمله هذا يدل على حصافة رأيه ، وحسن تدبيره ، وعظيم معرفته بأحوال البلاد والعباد . وعندما درس المستشرقون مكانة الرسول في المدينة طبقا لنصوص الوثيقة التي
--> ( 1 ) البند « 20 » من الوثيقة أو « الصحيفة » . ( 2 ) RODINSON , Mahomet , op . cit , p . 184 .