ساسي سالم الحاج

166

نقد الخطاب الاستشراقي

المبحث الرابع السيرة النبويّة بالمدينة أشرنا في نهاية المبحث السابق إلى هجرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من مسقط رأسه إلى يثرب وتعرّضنا لآراء المستشرقين حول السيرة النبوية بعد البعثة بمكة ، وأوردنا مجمل شبهاتهم حولها ، وحاولنا الرد عليها مستندين في ذلك إلى أوثق وأصدق الروايات والمصادر الإسلامية . وعلينا أن نقر بأن شبهات المستشرقين الخطيرة قد تركّزت على هذه الفترة من السيرة النبوية ، لأنها تناولت قضايا أساسية ارتكزت عليها الدعوة الإسلامية كقضية الوحي الإلهي ، والمسلمين الأوائل ودوافع إسلامهم ، وتنامي المعارضة القرشية ثم ضراوتها ، ودوافع هجرة المسلمين إلى الحبشة ، وأسباب عودتهم السريعة منها ، وغيرها من الأمور التي تتعلّق بالعقيدة الإسلامية أكثر من تعلّقها بشريعتها . تعرّض المستشرقون - خاصة أصحابنا الثلاثة - إلى السيرة النبوية بعد الهجرة إلى المدينة . ولكن هذه الفترة تمتاز بقلّة الشبهات والتحاليل العلمية لأنهم سردوا أنشطه الرسول فيما يتعلق ببناء الدولة الإسلامية من جهة ، وفيما يتعلق بالمنازعات الحربية التي خاضها ضد أعدائه من المشركين واليهود من جهة أخرى . سنحاول في هذا المبحث التعرّض إلى هاتين النقطتين الرئيستين لمعرفة وجهة نظر المستشرقين حولهما محاولين الردّ على بعض الشبهات التي يثيرونها وذلك طبقا لما درجنا عليه في المباحث السابقة . تعرّض « موير » إلى حالة المدينة إبّان هجرة الرسول إليها ، فهي تتكوّن من قبيلتي الأوس والخزرج العربيتين ومن عدة قبائل يهودية كبني قينقاع ، وبني النضير ، وبني قريظة . وكان مجيء الرسول إلى يثرب سببا لوحدة الأوس والخزرج اللذين كانا في صراع مستمر بينهما . وقد سمّي هؤلاء القوم « الأنصار » لنصرهم رسول اللّه ودعوته حين خذله قومه وتمييزا لهم عن « المهاجرين » القادمين من مكة ، وقد نجح الرسول في التوفيق بينهما ، وجعلهما إخوة متحابين تشاركوا في السكن والأموال . ويقول « موير » ليست لدينا إحصائيات محددة عن نسبة السكان المنضمين إلى محمد ، لأن الخمسة والسبعين شخصا الذين بايعوا محمدا في العقبة كانوا ممثلين لمجموعات كبيرة . وربما وصل عددهم إلى مئات الأشخاص « 1 » .

--> ( 1 ) Muir ( W . ) ; Life of Mahomet , op . cit , vol 3 - Page 27 .