ساسي سالم الحاج
165
نقد الخطاب الاستشراقي
ويستشهد هذا الفريق بالآية : وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ « 1 » . ومما روي عن ابن إسحاق ( إن الرسول كان يقول : « تنام عيناي وقلبي يقظان » . واللّه أعلم أي ذلك كان قد جاءه ، وعاين فيه ما عاين ، من أمر اللّه ، على أي حالة كان : نائما أو يقظان ، كلّ ذلك حق وصدق ) « 2 » . أما الذين يذهبون إلى أن الإسراء كان بالجسد فهم يستندون إلى قول الرسول من أنه شاهد عيرا لقريش وهي في طريقها من الشام إلى مكة ، وأنه وصف لهم بيت المقدس وصفا دقيقا ، وأنه عرج إلى السماء بجسده ، ومرّ بالأنبياء ، حتى وصل إلى سدرة المنتهى . إلى غيرها من الروايات والتفاصيل التي تختلط فيها الحقائق بالأساطير . ونحن نقف إزاء هذه الآراء المتضاربة موقفا محايدا فلكل فريق حجته ودليله ، ولكن الذي يعنينا أن المستشرقين قد شككوا في هذه القصة ، واعتبروها خيالا لا تستند إلى وقائع صحيحة لأنها تخرج عن المجرى العادي للأمور ، وتخالف ما اتبعه محمد من طرق ومسالك عادية لا معجزات فيها ولا خوارق للأمور ، ولكن مهما كان رأينا في هذا الموضوع فإننا نقر بحصول بعض خوارق الأمور لكثير من أبناء البشر لتلك الشفافية التي يتمتعون بها ، ولكن هذه الخوارق لا تخضع لتمحيص العقل والمنطق العاديين . فإذا اعتقدنا ألوهية الرسالة المحمدية . وألوهية القرآن المنزل من اللّه على الرسول بكيفية تختلف عن مجرى الأمور العادية فليس هناك ما يمنعنا من تصديق الإسراء والمعراج سواء أكان ذلك قد تمّ بالروح أو بالروح والجسد معا ، ولكننا نقف متحفظين أمام تلك الروايات العديدة المليئة بالإسرائيليات خاصة تلك التي تعطي لموسى صفة الواسطة بين الرسول واللّه لتخفيف مقادير الصلاة حيث يشتمّ منها رائحة الإسرائيليات إذ لا يعقل أن يتدخّل موسى ناصحا للرسول لتخفيف الصلاة على عباده ، واللّه عالم بمدى تحملهم لها . وإذا كنا قد وصلنا في بحثنا إلى هجرة الرسول إلى المدينة طبقا لما رواه المستشرقون . وإذا كنا قد حاولنا الرد على معظم شبهاتهم حول السيرة النبوية بعد البعثة المحمدية . فما آراؤهم حولها بعد الهجرة إلى المدينة ؟ . هذا ما سنعالجه في المبحث القادم إن شاء اللّه .
--> ( 1 ) سورة الإسراء ، الآية : 6 . ( 2 ) ابن هشام ، سيرة ابن هشام ، المرجع السابق ، الجزء الثاني ، ص 400 .