ساسي سالم الحاج
164
نقد الخطاب الاستشراقي
يقول « أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب » . ولم ير المسلمون يومئذ أشجع منه « 1 » . ورجل هذه صفاته وتصرّفاته في المواقف الحرجة وفي ساحات الوغى والموت أقرب منه إلى الحياة أيوصف بعدم الشجاعة ؟ فإذا تركنا ذلك كله وناقشنا النقطة الثانية المتعلقة بالإسراء والمعراج لوجدنا أن « موير » قد أنكرها ووصفها بأنها محض خيال ، وأن « وات » قد سكت عنها ، وأن « رودنسون » لم يتطرّق إليها ولكنه أشار إليها في معرض تحليله لطبيعة الوحي عندما أشار إلى أن الرسول كان في أثناء تطبيقه لدرجات الصوفية قد تعدّى المراحل الأولى منها ولكنه لم يصل إلى الحلول في ذات اللّه وكان بمكنته فعل ذلك لو انتهز الفرصة المواتية له إبّان إسرائه . ونحن لا نستطيع الخوض في هذا الموضوع بكلّ تفاصيله لأن كتب السيرة والتاريخ قتلته بحثا وتمحيصا ، ولأن إعطاء رأي علمي حوله يتعارض ونواميس الكون العادية ، ولأن العقل وإن يقبل الإسراء والمعراج بالروح فإنه لا يقبله بالجسم ، وأن التفاصيل المليئة بها كتب السيرة تدعو إلى طرح العديد منها خاصة تلك التي تتنافى وطبائع الأمور العادية . ولكننا كمسلمين نؤمن بأن الإسراء قد حصل للرسول بدليل الآيات القرآنية الدالّة عليه . ونود الإشارة هنا إلى أن المصادر الإسلامية ذاتها أثبتت واقعة الإسراء ولكنها اختلفت في كيفيتها أهي بالروح أو بالروح والجسد . فالذين يذهبون إلى إسراء الرسول بالروح لا بالجسد يستندون إلى حديث أم هانئ التي نسب إليها قولها : « إن رسول اللّه نام عندي تلك الليلة في بيتي فصلى العشاء الآخرة ثم نام ونمنا . فلما كان قبيل الفجر أهبّنا رسول اللّه ، فلما صلّى الصبح وصلّينا معه قال : « يا أم هانئ لقد صلّيت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي ، ثم جئت بيت المقدس فصلّيت فيه . . . الخ » « 2 » . كما استند هذا الفريق إلى ما روي عن عائشة من أنها قالت : ما فقد جسد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولكن اللّه أسرى بروحه ، وأن معاوية بن أبي سفيان كان إذا سئل عن مسرى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « كانت رؤيا من اللّه تعالى صادقة »
--> ( 1 ) أ - الواقدي ، المغازي ، المرجع السابق ، الجزء الثالث ، ص 898 . ب - ابن هشام ، سيرة ابن هشام ، المرجع السابق ، الجزء الرابع ، ص 443 . ج - الطبري ، تاريخ الطبري ، المرجع السابق ، الجزء الثالث ، ص 1991 - 1992 . ( 2 ) ابن هشام ، سيرة ابن هشام ، المرجع السابق ، الجزء الثاني ، ص 402 .