ساسي سالم الحاج
154
نقد الخطاب الاستشراقي
وهو بخيبر بعد الحديبية ، وكان جميع من قدم في السفينتين ستة عشر رجلا » « 1 » . وهكذا نستنتج من رواية الطبري إشارته إلى هجرة أولى للحبشة ، وكأن هناك هجرة ثانية ، ولكنه لا يتعرّض لها ولا يثبت أن ما عاد من مهاجري الحبشة بعد قصة الآيات الشيطانية قد عاد من جديد إلى الحبشة . ولا تدل إشارته إلى الهجرة الأولى إلى الحبشة على اعتبار أن الهجرة الثانية كانت إلى المدينة ، لأنه عالج الأخيرة بمنهجية أخرى تختلف عن الأولى . أمّا « الحافظ ابن كثير » فقد أشار إلى وجود هجرتين إلى الحبشة أولاهما : كالتي ذكرها ابن هشام والطبري . وثانيهما بعد عودة من كان قد خرج أولا ، حين بلغهم أن المشركين أسلموا فلمّا قدموا مكة - وكان معهم عثمان بن مظعون - فلم يجدوا ما أخبروا به صحيحا ، فرجع من رجع منهم ومكث آخرون بمكة . وخرج آخرون من المسلمين إلى أرض الحبشة وهي الهجرة الثانية « 2 » . وفصّل « النويري » في نهاية الأرب قصة الهجرتين إلى الحبشة وأشار إليهما تفصيلا ، ووصف الأولى طبقا لما أوردناه عند ابن هشام والطبري ، وأشار إلى الثانية بوضوح قائلا : « لمّا قدم أصحاب النبي من الهجرة الأولى اشتد عليهم قومهم ، ونيطت بهم عشائرهم ، ولقوا منهم أذى شديدا ، فأذن لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالخروج إلى أرض الحبشة مرة ثانية ، فقال عثمان بن عفان : يا رسول اللّه ، فهجرتنا الأولى ، وهذه الآخرة إلى النجاشي ولست معنا ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : أنتم مهاجرون إلى اللّه وإليّ ، لكم هاتان الهجرتان جميعا ، قال عثمان : فحسبنا يا رسول اللّه » « 3 » . وهكذا يتضح بعد السرد السابق أن الهجرة إلى الحبشة كانت مرتين ، الأولى قبل قصة الآيات الشيطانية المزعومة ، والثانية بعدها . والدليل على ذلك أن ابن هشام والطبري قد أشارا صراحة إلى الهجرة الأولى الأمر الذي يدل على أنهما يعلمان بأن هناك هجرة ثانية بعد قصة الآيات الشيطانية إلى الحبشة . وإن كانا لم يتعرضا لها بالتفصيل .
--> ( 1 ) الطبري ، المرجع السابق ، ص 1198 . ( 2 ) الحافظ ابن كثير ، البداية والنهاية ، الجزء الثالث ، مكتبة المعارف ، الطبعة الرابعة ، 1982 ، ص 67 . ( 3 ) النويري ، نهاية الأرب ، الجزء السادس عشر ، نسخة مصورة عن دار الكتب المصرية ، ص 241 .