ساسي سالم الحاج
155
نقد الخطاب الاستشراقي
وإذا كان المستشرقون قد شككوا في دوافع الهجرة وأسبابها ، كما اختلفوا في تحديد تاريخها ، فإنهم تعرّضوا جميعا إلى قصة الآيات الشيطانية التي نتجت عنها الهجرة الثانية إلى الحبشة ، فما حقيقة هذه القصة يا ترى ؟ . أورد معظم كتّاب السيرة المسلمين والمفسّرون منهم قصة الآيات الشيطانية كابن سعد في « طبقاته » ، والطبري في « تاريخه » وتفسيره ، وابن كثير في « بدايته ونهايته » ، والزمخشري في « كشافه » ، والقرطبي في « جامعه » ، والألوسي في روح معانيه ، والطبرسي في بيانه ، وغيرهم كثيرون . وأنكرها ابن إسحاق في سيرته ، وتجاهلها ابن هشام في سيرته أيضا ، وأعرض عن ذكرها العديد من المؤلفين والمفكرين المحدثين ، وحاولوا نقضها وإثبات بطلانها بالمنطق والبحث العلمي السليمين . وملخص القصة طبقا للمصادر الإسلامية ، أن الرسول لما رأى ازورار قومه عنه ، وتجنبهم له ، وأذاهم لأصحابه تمنى في نفسه ألّا ينزل عليه شيء ينفرهم ويبعدهم عنه . وبينما كان في ناد من أندية قريش قرأ عليهم سورة النجم ، فلما بلغ قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى قرأ بعد ذلك : « تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهنّ لترتجى » ثم مضى وقرأ السورة كلها وسجد في آخرها . هنالك سجد القوم جميعا لم يتخلّف منهم أحد . وأعلنت قريش أن الرسول قد أزال وجه الخلاف بينه وبينهم ، وفشا هذا الأمر في الناس حتى وصل إلى الحبشة ، فرجع المسلمون المهاجرون هناك إلى مكة اعتقادا منهم أن الإسلام قد فشا فيها « 1 » . ثم تذكر الروايات الإسلامية أن الرسول بعد أن أمسى أتاه جبريل فعرض عليه سورة النجم ، وأبلغه بأنه لم يأته بالكلمتين « تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى » فخاف الرسول خوفا شديدا من تقوّله على اللّه بما لم يقل فأوحى اللّه إليه : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ « 2 » . . . وعندما تعرّض المفسّرون لهذه الآية أثبت الكثير منهم الرواية المذكورة آنفا . فهذا الطبري يورد جميع الروايات والأسانيد التي تناولت تفسير هذه الآية . ويثبت
--> ( 1 ) أ - الطبري ، تاريخ الطبري ، المرجع السابق ، ج 2 ، ص 1194 - 1195 . ب - النويري ، نهاية الأرب ، المرجع السابق ، ج 16 ، ص 235 وما بعدها . ( 2 ) سورة الحج ، الآية : 52 .