ساسي سالم الحاج

147

نقد الخطاب الاستشراقي

كيف تمّ ذلك - توحي بتطور آخر لهذه النظرية ، أي أنه بينما رأت العينان الآية والرمز فإن القلب رأى المرموز . فإذا كان محمد قد فسّر أولا ما رآه أنه رؤيا مباشرة للّه فهذا يعني على الرغم من أن تفسيره هذا لم يكن عين الصواب ، فإنه في جوهره لم يكن خطأ ، وربما كان من الأفضل إذا أن نترجم الآية « إن القلب لم يخطئ بالنسبة إلى ما رآه الرجل » وبهذه الطريقة يحاول « وات » أن يتجنب القول : إن الرؤيا لجبريل ، وغرضه من ذلك بيّن وواضح تمام الوضوح إذ إن العمل على نفي رؤية الرسول لجبريل وهو من الأمور الحسية يؤدي إلى التشكيك في أن القرآن وحي من اللّه « 1 » . أثار « وات » جدلا عنيفا حول فعل الأمر « اقرأ » الذي أمر به جبريل الرسول ، وتعرض للروايات الإسلامية التي أشارت إلى رد الرسول : « ما أنا بقارئ » لتؤكد أمية الرسول لتأكيد الصفة الإعجازية للقرآن . ثم فسّر عبارة « ما ذا أقرأ » أو « ما أقرأ » بمعنى « ما ذا أتلو » أو « ما أتلو » . وقد استند « وات » في تفاسير « ما أقرأ » و « ما ذا أقرأ » إلى رواية ابن هشام ونحن نوردها لك بحذافيرها : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : فجاءني جبريل وأنا نائم ، بنمط من ديباج فيه كتاب ، فقال « اقرأ » ، قال : قلت : « ما أقرأ » قال : فغطني به حتى ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني فقال : اقرأ ، قال : قلت : « ما ذا أقرأ ؟ » قال : فغطني به حتى ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ ، قال : قلت : ما ذا أقرأ ؟ . . . إلخ « 2 » . والمقصود من النص السابق أن الرسول قال للملك أولا : إنه لا يعرف القراءة ، فلما غطه قال له : ما ذا تريدني أن أقرأ ، وفسّر ذلك بأنه محاولة منه للتخلص ممّا كان يفعل به . كما أن ما يفهم من هذا النص هو الطلب من الرسول بقراءة شيء مكتوب وضع بنمط من ديباج فيه كتاب . يضاف إلى ذلك أن هناك رواية أخرى ورد فيها : « ما أنا بقارئ » وهي تؤدي إلى نفس المعنى الوارد في عبارة « ما أقرأ » فحرف « ما » هذا ليس استفهاميّا ولكنه ناف للقراءة « 3 » . وقد حاول « وات » أن يبرهن على أن المراد بالقراءة هو التلاوة ، وأن الرسول كان يعرف ذلك ، ولكنه يرجح أن رواة الأحاديث المتأخرين

--> ( 1 ) د . جعفر شيخ الأرض ، مناهج المستشرقين في الدراسات الإسلامية ، المرجع السابق ، مقال بعنوان : منهج مونتجمري وات في دراسة نبوءة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ص 219 . ( 2 ) ابن هشام ، السيرة النبوية ، المرجع السابق ، ص 236 ، 237 . ( 3 ) ابن كثير ، السيرة النبوية ، ج 1 ، ص 393 ، وتفسير ابن كثير ، ج 7 ، ص 325 .