ساسي سالم الحاج

148

نقد الخطاب الاستشراقي

تحاشوا المعنى الطبيعي لهذه الكلمات لكي يجدوا فيها ما يسند الاعتقاد أن محمدا لم يكن قرأ وقد كان ذلك جزءا هامّا من البرهان على إعجاز القرآن . ثم إنه قد ذكر في مناسبة أخرى أن الرسول كان يعرف القراءة والكتابة والدليل على ذلك أن العديد من تجار مكة المشهورين يعرفون هذا الفن ، ومن المفترض أن يكون محمد كذلك طالما كان هو الآخر تاجرا ناجحا « 1 » ، ولعلّ خطل هذا الرأي لا يحتاج إلى ردّ ، فليس من الضروري لنجاح تاجر معيّن أن يحسن القراءة والكتابة والحساب . وهذا النوع من التجار معروف في عصرنا الحاضر الذي كثرت فيه وسائل تعليم هذه الفنون وهم لا يحسنون القراءة والكتابة والحساب وهم من أنجح التجار . ومع ذلك فإن « وات » يؤكد بعد قليل أن شكل المادة الإنجيلية في القرآن تجعلنا نجزم بأن محمدا لم يقرأ الإنجيل ، ومن غير المحتمل أن يكون قد قرأ أي كتب أخرى « 2 » ولكن ربما قد نقلت إليه شفاها . وإذا كان « وات » يؤكد عدم اطلاع الرسول على أية كتب أخرى فإنه من الأحرى ألّا يكون عالما بالقراءة والكتابة وهذه النتيجة تتفق وآراء المسلمين ، إذ لو كان الأمر خلاف ذلك لقرأ الرسول كتب العهد القديم ، وتمعن فيها ، واستخلص منها ما شاء من علوم ومعارف ، ولتطابقت تلك الكتب وما ورد في القرآن الكريم . ولكن هذه الدعاوى والاستنتاجات خاطئة من مقدماتها فتكون نتائجها خاطئة هي الأخرى . وأشار « مونتجمري وات » و « رودنسون » إلى أن هناك وحيا سابقا أنزل على الرسول قبل مقطع « اقرأ » . ولكنهما لا يبينان لنا كيف تمّ ذلك ، وما هذا الوحي وطبيعته ؟ وفي أي مناسبة نزل ؟ وما المصادر التي استندا إليها للبرهنة على صحة افتراضهما ؟ وبالتالي فإن هذه الدعوى تصبح باطلة من أساسها طالما كانت تفتقر إلى السند العلمي الصحيح . وقد أشار المستشرقون جميعا إلى اتصال الرسول بورقة بن نوفل ، وأوردوا لنا الحوار الذي جرى بينهما ، واستنتجوا لنا جميعا أن الرسول كان على علاقة وطيدة به منذ مدة بعيدة ، وأنه استقى منه معظم معارفه ، وقد دحضنا هذه الآراء جميعا في مبحث سابق ، وأثبتنا بالدليل والبرهان أن قصة ورقة يحيطها الكثير من الشكوك والغموض ، ونفينا أن يكون الرسول قد استقى معارفه من هذا المصدر الذي لم تؤكد لنا الروايات

--> ( 1 ) Watt ( M . ) Mahomet , op . cit , p . 37 . ( 2 ) Ibid , op . cit , p . 37 .