ساسي سالم الحاج
146
نقد الخطاب الاستشراقي
تفصيلا . وسوف نتعرّض في هذا المقام إلى الرد عمّا ورد على لسان المستشرقين حول هذه الظاهرة من حيث خصوصيتها المتعلقة بالسيرة النبوية . فهذا « مونتجمري وات » و « رودنسون » يتحدثان عن كيفية نزول الوحي للمرة الأولى ويوردان بعض الروايات المرفوعة إلى عائشة عن الزهري عن عروة بن الزبير ، ويستنتج وات بعد ذلك أن تفسير المسلمين المعتاد « للرؤيا الحقيقية » هي رؤية النبي لجبريل . ولكن هناك أسباب تدعو إلى القول : إن محمدا فسّر في بداية ما رآه بأنه اللّه نفسه ، لأنه لم يرد ذكر لجبريل في القرآن إلا في الفترة المكية ، وإن الذي يدل عليه السياق هو « اللّه » وبغير ذلك تكون العبارة ركيكة . وأن عبارة : « فجاءه الحق » تؤيد ذلك ، إذ إن « الحق » أحد الطرق التي يشار بها إلى اللّه « 1 » . ولعلّ أهم انتقاد يوجّه لرأي « وات » أنه لم يختر لرواياته الأصح سندا ومتنا من خلال العديد من الروايات الأخرى المشابهة للموضوع المراد دراسته ، ثم الجمع بين هذه الروايات المبثوثة في سيرة ابن هشام والبخاري ، واختار روايات الزهري التي أوردها الطبري في تاريخه إذ لو رجع إلى رواية ابن هشام مثلا لوجد أن الرسول خرج إلى غار حراء في الشهر الذي أراد اللّه تعالى به فيه ما أراد من كرامته ، جاءه جبريل عليه السلام بأمر اللّه تعالى وهو نائم بنمط من ديباج فيه كتاب ، فقال : اقرأ ، قال : قلت : ما أقرأ ؟ . . . إلخ » « 2 » . وهكذا ذكرت في هذه الرواية اسم « الملك » . ولكن « وات » اختار رواية الزهري الموجودة في تاريخ الطبري لأنها خالية من ذكر « الملك » ثم رتّب عليها النتائج التي أتينا على ذكرها . كما أن الروايات المبثوثة حول هذا الموضوع في كتاب البخاري تشير جميعها إلى « الملك » الذي أتى بالوحي للرسول . وقد حاول « وات » الاستنتاج من خلال رواية الزهري أن ما رآه الرسول في بدء الوحي كان اللّه تعالى ، ولكنه يفند هذا الاستنتاج من أساسه لأن رؤيا اللّه تتناقض مع الآيات التي تنفي ذلك . خاصة قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ثم يستنتج « وات » كذلك أن ما ورد في سورة النجم : لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [ النجم : 18 ] يحتمل تفسيرا آخر لا علاقة له برؤية اللّه مباشرة ، وإنما كل ما رآه هو رمز لعظمة اللّه وجلاله . ويفسّر الآية : ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [ النجم : 11 ] . والتي يراها أنها قد أضيفت بأخرة - ولا ندري
--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 79 . ( 2 ) ابن هشام ، السيرة النبوية ، المرجع السابق ، ص 236 .