ساسي سالم الحاج
137
نقد الخطاب الاستشراقي
الآخر ، وتضع الإنسان في موقف صعب إما أن يكسب كل شيء أو يخسر كل شيء . فمن الناحية الإيديولوجية فإن الرجوع عن التسوية معناها التنديد بآلهة قريش باعتبارها أسماء خالية من أية مضامين موضوعية . وهذا في حدّ ذاته يعني أن عبادتهم لا قيمة لها . ومن جهة أخرى فلو استمرّ محمد في هذه التسوية فإن الأمر يعني الانضمام إلى كهانهم واتباعهم الأمر الذي سيؤدي إلى السقوط في أحضان الوثنية والشرك باللّه . وهكذا قطع محمد هذه التسوية بهجوم مضاد عنيف . وتذكر المصادر الوثيقة أن الاضطهاد الحقيقي لأتباع محمد قد بدأ منذ هذه اللحظة - وذلك عندما ذكر طواغيتهم - خاصة وأن سلاح القهر والاضطهاد قد تعزّز بقدوم أناس من الطائف من قريش لهم أموال أنكروا ذلك على محمد واشتدّوا عليه وكرهوا ما قال ، وأغروا به من أطاعهم فانصفق عنه عامة الناس فتركوه إلّا من حفظه اللّه منهم وهم قليل « 1 » . هذه هي قصة الآيات الشيطانية وآثارها لدى هؤلاء المستشرقين الثلاثة وأضرابهم الآخرين ، وسنتعرّض مستقبلا لتفنيدها وإبطال مزاعم القائلين بها . وسنضرب صفحا عن ذكر التسويات الأولى التي قيل إن قريشا حاولت عرضها على الرسول والتي رفضها بتصميم وعزم بالغين لأنه لا جديد فيها من الناحية التحليلية ، ولأن المستشرقين قد أوردوها في مصادرهم طبقا للروايات والأسانيد الإسلامية . ولكن الذي يهمنا في هذا السياق أن نتيجة فشل هذه التسويات جميعا - الحقيقة منها أو المزعومة - قد أدّت إلى نتائج بالغة الأهمية في مستقبل الدعوة الإسلامية . ولعلّ أهم هذه النتائج هجرة المسلمين إلى الحبشة أولا ثم هجرتهم إلى المدينة ثانيا . عالج « موير » هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة باختصار شديد خال من التحليل والتعليل . وأرجع أسباب هذه الهجرة إلى ما لاقاه أصحاب رسول اللّه وأتباعه من عنت واضطهاد في مكة . خاصة أولئك الذين لا عائلات قوية ينضوون تحت حمايتها . وهكذا سمح محمد لأتباعه بالهجرة إلى الحبشة ، وبقي هو في مكة لما هو فيه من العافية . وقال لهم : لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق ، حتى يجعل اللّه لكم مخرجا مما أنتم فيه . فخرج عند ذلك
--> ( 1 ) أورد رودنسون هذه الرواية نقلا عن تاريخ الطبري ، المرجع السابق ، ص 1180 .