ساسي سالم الحاج

138

نقد الخطاب الاستشراقي

المسلمون إلى أرض الحبشة ، مخافة الفتنة ، وفرارا إلى اللّه بدينهم ، وهذه هي الهجرة الأولى للحبشة « 1 » . ويحدثنا « موير » أن الحبشة كانت معروفة للعرب باعتبارها إحدى البلدان التي يتاجرون سنويا معها . وفي السنة الخامسة من البعثة النبوية وبالتحديد في شهر رجب غادر مكة أحد عشر رجلا بعضهم راكبين وبعضهم الآخر راجلين ، أربعة منهم تصحبهم زوجاتهم في اتجاه ميناء « شعيبة » وهناك امتطوا سفينتين أقلّتهم إلى الحبشة مقابل نصف دينار لكل واحد منهم . وكان من بين هؤلاء المهاجرين عثمان بن عفّان مصحوبا بزوجته رقية ابنة محمد ، وعبد الرحمن بن عوف ، والزبير بن العوام . وكان قائد هذه الجماعة عثمان بن مظعون . وقد مرّت رحلتهم بسلام واستقبلوا استقبالا حسنا من النجاشي وشعبه وأطلق على هذه الهجرة « الهجرة الأولى » تمييزا لها عن الهجرة الثانية « 2 » . ويرى « موير » أن لهذه الهجرة أهمية كبرى في تاريخ الإسلام . فقد تأكد لأهل مكة صدق وإخلاص أتباع محمد ، وتصميمهم الأكيد على التضحية ببلادهم وأرواحهم في سبيل المبادئ التي آمنوا بها . ولعلّ تصميمهم هذا للتضحية في سبيل اللّه ، واضطهاد إخوانهم لهم في سبيل عقيدتهم هو الذي أسبغ عليهم العطف والمودّة في أنحاء الجزيرة العربية ، وكان سببا لاستقبالهم الحسن من قبل النجاشي وشعبه . وقد فتحت هذه الهجرة آفاق المستقبل للهجرة الكبرى نحو المدينة . وأثارت هذه الهجرة انتباه محمد إلى الاقتراب أكثر فأكثر إلى الديانة المسيحية وتفضيلها . ولو لم يقدّم لمحمد ملجأ عربي فإن الرسول نفسه ربما هاجر هو الآخر إلى الحبشة . ولو كان الأمر كذلك لتضاءلت المحمدية إلى هرطقة مسيحية ، ولأصبحت سريعة الزوال شأنها في ذلك شأن العقيدة المونوتنسمية « 3 » Montanism . ولم تنقض ثلاثة أشهر على هجرة أولئك النفر من المسلمين إلى الحبشة حتى عادوا إلى الظهور من جديد في مكة وذلك بسبب ما تناهى لهم من إسلام قريش طبقا لنتائج الآيات الشيطانية .

--> ( 1 ) موير ، المرجع السابق ، بالإنجليزية ، ص 132 . وقد استقى موير هذه المعلومات حرفيا من ابن هشام ، المرجع السابق ، ص 321 . ( 2 ) Muir , Life of Mahomet , op . cit , p . 133 . ( 3 ) Ibid , op . cit , p . 134 .