ساسي سالم الحاج

136

نقد الخطاب الاستشراقي

من مطامحه الشخصية بل لأن الاعتراف بآلهتهم يؤدي إلى فشل قضيته والمهمة التي تلقاها من اللّه . ولا شك في أن الوحي قد نبّهه إلى ذلك ، كما أنه من الممكن أن يكون قد شعر بخطئه بهذا الصدد قبل نزول الوحي « 1 » . ويرد « مكسيم رودنسون » مسألة الآيات الشيطانية في معرض حديثه عن التسويات التي عرضت على الرسول من قبل زعماء قريش لإيجاد تقارب بين عبادة اللّه ودور الأصنام فيها . ويؤكد « رودنسون » منذ البداية صحة رواية الآيات الشيطانية لأن المسلمين الأوائل - حسب قوله - لم يخترعوا مطلقا قصة من هذا النوع للشك في مجمل الوحي الإلهي . ثم يورد هذه القصة طبقا لما أورده الطبري في تاريخه « 2 » ، وهي مشابهة في خطوطها العريضة لتلك التي أوردها « وليام موير » . ثم يعلّق « رودنسون » عليها قائلا « إن لا شعور محمد هو الذي دفعه إلى اقتراح صيغة تسوية ستؤدي إلى إجماع قومه . فهذه الغرانيق العلى تشابه الملائكة والجن باعتبارها آلهة ثانوية للّه . وهذه الآلهة يطلق عليها أيضا « بنات اللّه » . ومن جهة أخرى فإن دعوة محمد الجديدة يستبين منها بوضوح عدم وجود أفكار ثورية فيها ، وأن الملّة الجديدة تحترم وتبجّل آلهة المدينة وتعترف بشرعية عبادتها وآلهتها « 3 » . ولكن تورط محمد في هذه التسوية أبان عن مساوئها بسرعة . فالملّة الجديدة التي يدعو إليها تفقد أصالتها . وسيلاحظ اليهود والنصارى أن محمدا قد عاد إلى الوثنية القديمة . ثم ما ذا يتبقّى من الخوف باليوم الآخر إذا تدخّلت هذه الأصنام بشفاعتها ؟ وما هي السلطة التي ستبقى لرسول اللّه طالما يستطيع أي كاهن لهذه الأصنام أن يخالف رسالته ؟ . لقد أخذت هذه التساؤلات جميعا بعين الاعتبار - كما يقول رودنسون - يضاف إليها إنكار أتباعه لهذه التسوية خاصة عندما قال أبو أحيحة سعيد بن العاص : « أخيرا ذكر ابن أبي كبشة آلهتنا بخير » . ويستمر « رودنسون » في تحليل هذه الآيات الشيطانية المزعومة عندما يبين خطورة الرجوع عن هذه التسوية التي كادت تؤدي إلى إجماع قريش على إيجاد أرضية مشتركة بينها وبين الرسول . ذلك أن العودة عنها يعني ببساطة قطع أي صلة مع الطرف

--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 172 . ( 2 ) الطبري ، تاريخ الطبري ، المرجع السابق ، الجزء الثاني ، ص 1192 . ( 3 ) RODINSON , Mahomet , op . cit , p . 136 .