ساسي سالم الحاج
133
نقد الخطاب الاستشراقي
مشروعه . ولم يبلغ أتباعه في هذه الفترة أكثر من أربعين شخصا . وقد أصيب بخيبة أمل شديدة ، وجوبه بمقاومة عنيفة من قبل زعماء مكة المبجلين . كان المستقبل مظلما أمامه ، وأصبح يائسا ، حزينا ، فحاول الاقتراب من قومه والتودّد إليهم والمصالحة معهم . ويورد « موير » رواية الطبري حول هذه الواقعة وملخصها أن زعماء قريش كانوا مجتمعين بجوار الكعبة يناقشون قضايا مدينتهم ، قدم محمد وجلس في ناد من تلك الأندية وتمنى يومئذ ألّا يأتيه من اللّه شيء فينفروا منه . فأنزل اللّه عليه : وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى فقرأها حتى إذا بلغ : أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [ النجم 19 و 20 ] ألقى عليه الشيطان كلمتين : « تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى » فتكلّم بها ، ثم مضى فقرأ السورة كلها ، فسجد في آخر السورة ، وسجد القوم جميعا معه ، ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى جبهته ، فسجد عليه ، وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود ، فرضوا بما تكلّم به وقالوا : قد عرفنا أن اللّه يحيي ويميت ، وهو الذي يخلق ويرزق ، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده ، إذ جعلت لها نصيبا ، فنحن معك . فلما أمسى أتاه جبريل وعرض عليه السورة ، فلمّا بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال : ما جئتك بهاتين ، فقال رسول اللّه : افتريت على اللّه ، وقلت على اللّه ما لم يقل فأوحى اللّه إليه : وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ الخ . فلمّا سمع من كان من المهاجرين من أهل الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا كلهم ، رجعوا إلى عشائرهم وقالوا : هم أحب إلينا ، فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ اللّه ما ألقى الشيطان « 1 » . وعندما سمعت قريش أن اللّه قد نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيّه قالت قريش : ندم محمد على ما كان من منزلة آلهتكم عند اللّه ، فغيّر ذلك وجاء بغيره ، وكان ذلك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسوله قد وقعا في فم كل مشرك ، فازدادوا شرّا إلى ما كانوا عليه « 2 » .
--> ( 1 ) أ - Muir ( W . ) Life of Mahomet , V . II , op . cit , p 150 . ب - الطبري ، تفسير الطبري ، الآية 52 من سورة الحج ، الجزء السابع عشر ، مطبعة البابي الحلبي ، الطبعة الثاني ، ص 186 - 187 . ( 2 ) الطبري ، المرجع السابق ، ص 188 ، وأورده موير في المرجع السابق ، ص 152 .