ساسي سالم الحاج

134

نقد الخطاب الاستشراقي

ويعلّق « موير » على هذه الواقعة قائلا : « إنه من الواضح أن هذه الهفوة لم تكن حادثة مفاجأة وليست تنازلا تمّ الحصول عليه بصورة مفاجأة أو ارتكبت بناء على زلّة لسان ثم سحبت مباشرة . إن عداوة قوم محمد قد ضغطت بقوة على تفكيره . . . وإن المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة لم يك قد مضى على هجرتهم إليها غير ثلاثة أشهر ، أجارهم النجاشي في أثنائها وأحسن جوارهم . فلو لم يكن قد ترامى إليهم خبر الصلح بين محمد وقريش لما دفعهم دافع إلى العودة حرصا على الاتصال بأهلهم وعشائرهم . وقد بقيت هذه التسوية عدة أيام حتى ترامت إلى أسماع المهاجرين بالحبشة ووثقوا بنتائجها » « 1 » . وبعد تحليل طويل لأوضاع الأصنام بمكة وعلاقتها بالكعبة ، وكيفية اعتبار قريش لهذه الأصنام من أنها واسطة وزلفى تقربهم إلى اللّه ، وكيف أن الشعائر المطبقة على الأصنام تماثل تلك المطبقة على الكعبة في موسم الحج يصل « موير » إلى نتيجة مفادها أن محمدا قد تبرّأ من التسوية التي أبرمها مع زعماء قريش ، وأن الشيطان قد ضلّله ، وأن كلمات التسوية ليست جزءا من الوحي الذي تلقاه عن اللّه ، وهكذا صحّح هذه الهفوة التي أصبحت بدورها في طي النسيان . ونسخت هذه الآيات الشيطانية وحلّت محلها آيات أخرى تندد بالأصنام كاللّات والعزّى ، ومناة الثالثة الأخرى ، وما هي إلّا أسماء سمّوها هم وآباؤهم ما أنزل اللّه بها من سلطان . كما أن إنكار التسوية نجم عنها زيادة اضطهاد المسلمين ومن هنا كان رجوع المسلمين وهجرتهم من جديد إلى الحبشة « 2 » . ويعالج « مونتجمري وات » مسألة الآيات الشيطانية بذات المنهج الذي سلكه « وليام موير » ويشير منذ البداية إلى إنكار المسلمين لها باعتبار أن رسولهم قد أخبر منذ البدء بالمضمون الكامل لعقيدة الإسلام فكان من الصعب عليهم ألّا يروا في الآيات الشيطانية خروجا من عقيدة الإسلام . ولكن « وات » يعزز ذلك الرأي الذي قال به جل المستشرقين من أن حقيقة التوحيد التي نادى بها الرسول في بداية دعوته كان غامضا . ولم ير بعد أن قبول هذه المخلوقات الإلهية كان يتعارض مع التوحيد الذي ينادي به . وكان يعتبر اللات والعزى وغيرها من الأصنام كائنات سماوية أقل

--> ( 1 ) Muir ( W . ) Life of Mahomet , op . cit , p . 154 . ( 2 ) بتصرف كبير ، Ibid , pp . 156 - 160 .