ساسي سالم الحاج

132

نقد الخطاب الاستشراقي

درس المستشرقون هذه المحاولات التوفيقية بكثير من العمق والتفصيل . وحاولوا من خلالها إسباغ الصفة البشرية على الدعوة المحمدية ، واستخدموا قصة الآيات الشيطانية كدليل على هذه المصالحة التي لم تؤدّ إلى الغرض المنشود منها ، فما هذه القصة يا ترى ؟ وما دور المصالحة في تطبيع العلاقة بين مناوئي الدعوة الإسلامية ومعتنقيها ؟ . لما دعا الرسول قومه إلى الإيمان باللّه ، وترك عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر ، وقد شنّ عليها حملة شعواء ، اغتاظ المشركون من هذا التحوّل الخطير في الدعوة الإسلامية ، وقاموا بحملة مضادة لها ، فأخذوا يجادلون الرسول في صحة رسالته وشرعيتها ، وهاجموا الكتاب الذي جاء به ، واتهموه بأنه يستقي معلوماته ومعارفه من بعض الأجانب المقيمين بمكة . وقد اشتد الخصام بين الفريقين إلى أن بلغ مداه من الاضطهاد والأذى والعنف . وقد اشتدّت الفتنة عنيفة على المسلمين وتعرّضوا للتعذيب والإكراه المادي والأدبي حتى اضطر بعض منهم إلى الارتداد عن الإسلام تقية وخوفا . وفي هذه الفترة الحرجة من الدعوة الإسلامية حاول المشركون الاقتراب من الرسول لإيجاد أرضية مشتركة بينهما ، وحاولوا إيجاد أرضية صالحة للتفاهم والصّلح . وقد أوردت لنا الروايات الإسلامية تلك المساعي التي بذلها زعماء قريش للتوفيق بين الدين الإسلامي الجديد وبين معتقداتهم القديمة البالية . وفي هذه المرحلة الدقيقة والحاسمة ظهرت إلى الوجود ما أطلق عليه أهل السيرة وكتب التاريخ والمستشرقون مشكلة الآيات الشيطانية التي ادّعي أنها قد نزلت للتوفيق بين الأطراف المتصارعة في مكة . ونحن نورد هذه الشبهات كما أوردها المستشرقون باعتبارها من المطاعن الرئيسة التي ما زالت توجّه للإسلام ونبيّه إلى يوم الناس هذا . وما قضية الكاتب البريطاني « سليمان رشدي » ببعيدة عنّا ، ثم نحاول الردّ عليها طبقا لما درجنا عليه في المباحث السابقة . يقول « وليام موير » في هذا الصدد : بعد انقضاء ثلاثة أشهر على هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة واستقبالهم الحسن من قبل النجاشي ظهروا من جديد في مكة . ورجوعهم هذا قد ارتبط بأكثر مراحل السيرة المحمدية غرابة . كان هدف محمد هداية قومه إلى دينه الجديد ، ولكنه فشل فشلا ذريعا في