ساسي سالم الحاج

8

نقد الخطاب الاستشراقي

إن التطرق إلى أهداف الاستشراق ، والوسائل التي يتبعها لتحقيق تلك الأهداف ، والمجال الذي يتحرك فيه من الناحية الجغرافية والعلمية يقتضي منا معالجة هذا الموضوع الحساس بروح علمية صارمة لا مجال للعواطف والأهواء الشخصية فيها . فنحن لسنا من أولئك المتعصبين في المجال العلمي الخالص الذي لا يهمنا فيه إلا الموضوعية المطلقة ، غير مكترثين بأية عوامل أخرى مهما كانت طبيعتها . فالبحث العلمي الصحيح لا يخضع للعواطف والمؤثرات الشخصية أكثر من خضوعه لمناهج البحث العلمي الصارمة والمؤثرات الموضوعية . نعم لقد تطرق الاستشراق إلى جميع مناحي الحياة الشرقية والإسلامية ، ولم يدع مجالا إلا وأدلى فيه بدلوه ، ولم يترك شاردة أو واردة إلا وقال فيها كلمته . ولم يهمل جزئية أو رأيا مهما كان تافها أو ضنينا إلّا وأشبعه بحثا وتحليلا ، ومن هنا كان الغرض من دراستنا هذه ، وهو الكشف عن أهداف هذه الظاهرة العلمية ، والوسائل التي اتبعتها بغية معرفة مراميها ومقاصدها . إن الاطلاع على آراء المستشرقين ، والنظر في ما كتبوه عن الإسلام والمجتمعات الشرقية هو من الأهداف الرئيسة لدراستنا هذه . ذلك أن هؤلاء الناس ينظرون إلى هذه الأمور بمنظار يختلف عمّا عهدناه وآمنا به ، وسلّمنا بصحته ، ومن حقنا بل من واجبنا التعرف إلى ما يقوله هؤلاء الناس عنّا خاصة في ما يتعلق بعقيدتنا ، وأخلاقنا ، وتقاليدنا ، وحضارتنا . حتى نتمكن من الرد على ما يخالفنا ، لأن السكوت عن تلك الآراء المغايرة لنا هو اعتراف ضمني منا بصحتها . إن الدراسات الاستشراقية بغزارتها ، وتعدد مجالاتها ، وتناولها لكلّ القضايا التي تخصنا قد قام بها أناس ليسوا جميعا بمنجاة من التعصب والهوى ، والميل إلى تصيد أخطائنا ، وإبراز الهنات والمساوئ التي تلم بنا . ومن هنا كان لزاما علينا التعرض لهذه الدراسات ، محللين وناقدين لها بأسلوب بعيد عن التعصب والهوى لكشف الأخطاء التي تعتريها ، وإبراز التحامل الذي يكون من خصائص بعض المستشرقين ، والرد على أهوائهم ، ودحض أقوالهم بالحجة والبرهان العلميين ، والكشف عن حقيقة ما يخفون وراء دراساتهم من أغراض دينية أو استعمارية ، أو سياسية ، أو اقتصادية .