ساسي سالم الحاج

9

نقد الخطاب الاستشراقي

إن الدراسات الاستشراقية ، وإن كانت قد تعددت أغراضها ، وتباينت مراميها وأهدافها ، إلا أنها لم تكن أبدا خالية من الفائدة العلمية التي لا مناص لنا من الاعتراف بها . فالمستشرقون قاموا بجمع المخطوطات العربية والإسلامية والشرقية وفهرستها ، وحققوا العديد منها بأعلى المقاييس العلمية المتعارف عليها ، ونشروها نشرا علميّا خالصا ، وترجموا الآلاف من هذا التراث إلى اللغات العالمية ، وعرّفوا الآخرين بحضارتنا وتراثنا ، ومآثرنا وما كنا فيه من مجد وسؤدد . ومن هنا فإن هذه الدراسات الاستشراقية تستحق منّا الاطلاع عليها ودراستها لأن من أخص خصائص المثقف الحر الواعي الاطلاع على هذه الأفكار حتى يستوعبها أولا ، ثم يستفيد منها إن كانت موضوعية ثانيا ، وإلا فإنه ينبري للرد عليها إن كانت مجافية للحقيقة ثالثا . إن الدراسات الاستشراقية مهما كانت موضوعية في مضمونها ومحتواها إذا سلمت من التعصب والهوى فإنها لا تخلو من هنات وأخطاء لغوية أو علمية أو تاريخية سببها الجهل باللغة العربية أو اللغات الشرقية الأخرى . فهؤلاء القوم مهما بلغت بهم معرفة لغاتنا وحضارتنا فإنه يغيب عنهم فهم العديد من المصطلحات والتعابير اللغوية ، وهكذا تأتي نتائجهم العلمية خاطئة ، بل وتبدو في بعض الأحيان مضحكة ، ومن هنا وجب علينا تناول هذه الدراسات بالبحث والتقصي للتنبيه إلى هذه الأخطاء الصادرة عن حسن نيّة ، وتصحيح تلك المفاهيم العلمية التي استقرت لديهم كحقيقة لا مجال للجدل فيها . لعلّنا في هذه المقدمة ونحن نسطّر أهداف دراستنا لا ننسى أن الاطلاع على هذه الدراسات الاستشراقية يقودنا حتما إلى الاستفادة من تلك المناهج العلمية الصارمة التي طبقها المستشرقون في تلك الدراسات ، وهي مناهج نحن أحوج الناس إليها خاصة تلك المتسمة في الوقت الحاضر بالموضوعية والإنصاف ، والدقة في التحقيق والاستقراء . كما أنه لا يغيب عن أذهاننا ما يمتاز به أولئك الناس من جلد ، وصبر ومثابرة ، وتجشم للصّعاب وتعرض للأخطار ، وتضحية بالنفس والمال تكاد تكون مضرب الأمثال . فعند ما نطلع على سلوكهم وخصائصهم ومناهجهم ، نكون قد استفدنا منهم في دراساتنا متخذين بعضا منهم مثلا في الموضوعية والدقة والصرامة والصبر .