ساسي سالم الحاج
60
نقد الخطاب الاستشراقي
لكن الباحث الدقيق يلاحظ منذ الوهلة الأولى أن غرض هذه الجمعية ومثيلاتها لم يكن لدوافع علمية صرفة ، ولكن تعداها إلى دوافع أخرى أهمها العامل التجاري ويليه العامل الاستعماري الذي تحقق بالفعل ، ولبيان صدق استنتاجاتنا فإننا نورد هنا بعض عبارات سكرتير الجمعية الإفريقية المذكورة السيد « وليام يارنج » الذي ذكر في مقدمة كتاب يوميات الرّحالة . . . « فردريك هورنمان » « 1 » . . . « وإذا استطعنا أن نقوم بهذا الدور النبيل بأن ننشر المعرفة والفنّ ونحمل لهؤلاء القوم المتوحشين الغلاظ روح التقدم فإن ذلك سيكون له عظيم الأثر على تجارتنا وخيراتنا ونساهم - فضلا عن ذلك - في تطوير المعرفة الإنسانية بمختلف فروعها » « 2 » . ثم يمضي سكرتير هذه الجمعية في سياق آخر يقول : « إن الأجزاء القابلة للملاحة لنهري جامبيا والنيجر ليست بعيدة ، وحين نوفر محطّات متوسطة ونحدد ملامح الطريق يمكن أن يكون ذلك خير مساهمة لتدعيم النشاط التجاري . وإذا استطاعت منتوجاتنا أن تحظى باهتمامهم وتجد طريقها إليهم فسيكون من الصعب حينئذ أن نتخيل غزارة الطلب على سلعنا من تلك المناطق الشاسعة الغزيرة السكان » « 3 » . إن ما أفصح عنه سكرتير الجمعية الإفريقية البريطانية واضح الدّلالة . فلم يكن الباعث العلمي هو الدافع الوحيد إلى اكتشاف إفريقيا ومجاهلها ، ولكن الأغراض التجارية والاستعمارية تأتي هي الأخرى في المرتبة الأولى وهذا ما برهنت عليه الأحداث التاريخية لاحقا . لندع مؤقتا أثر الرّحالة على إفريقيا ، والنتائج التي أدت إليها تلك الرحلات بعد اكتشاف مجاهلها ، وإجلاء ما غمض منها . ونتّجه إلى بيان آثار الرّحالة المستشرقين في الشرق ، حيث تداخلت الأهداف من رومانسية إلى استعمارية إلى علمية للبرهنة على ما افترضناه في مقدمة بحثنا من أن الاستشراق لعب دورا سياسيا هاما أدى إلى استعمار الشرق وإفريقيا والإلقاء بهما لقمة سائغة بين فكي أوروبا المستعدّين دوما للقضم والالتهام .
--> ( 1 ) فردريك هورنمان ، الرحلة من القاهرة إلى مرزق ، تعريب / مصطفى محمد جودة ، مكتبة الفرجاني ، طرابلس ، 1968 م . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 8 . ( 3 ) المرجع السابق ، ص 10 - 11 .