ساسي سالم الحاج

61

نقد الخطاب الاستشراقي

أرست البرتغال القواعد الأولى للوجود الأوروبي في الشرق منذ أوائل القرن السادس عشر ، ثم دخلت بريطانيا حلبة الصراع ، ووصلت إلى الهند التي عقدت معها أواصر تجارية عميقة أدت في النهاية إلى استعمارها . وقد تعارض المشروع البريطاني في الشرق بالمشروع الفرنسي ، كانت نتيجة ذلك الصراع بين الدولتين الاستعماريتين سلسلة من الحروب الاستعمارية بينهما في الهند بين 1744 و 1748 ثم بين 1756 و 1763 خرجت بموجبها بريطانيا منتصرة على فرنسا وأحكمت بذلك سيطرتها على الهند . وكان من نتيجة هذه الحروب والصراعات الاستعمارية أن فكر نابليون بعد حين في أخذ الثأر لبلاده من بريطانيا عندما قرر احتلال مصر لقطع طريق بريطانيا إلى الهند ثم الزحف عليها مباشرة بعد استقرار حملته في الشرق . وبالرغم من فشل مشروع نابليون هذا إلّا أن الوقائع التاريخية التي نسردها نستنبط منها دور الاستشراق في هذه القضايا التي نعالجها . سبق التغلغل البريطاني في الهند ، وحملة نابليون على مصر رحّالة من الغرب جابوا تلك الأصقاع وكتبوا عنها تقارير وافية كانت نبراسا اهتدت به الدول الاستعمارية لغزو الشرق اقتصاديا ، وسياسيا وعسكريا . لقد قام بالمحاولة الاكتشافية الأولى « هيسانت أنكيتل - دوبرون » ( 1731 - 1805 ) الذي كان منظّرا شاذا للمساواة ، وإنسانا استطاع أن يوفق في ذهنه بين الجانسنية والكاثوليكية والبراهيمية ، ورحل إلى آسيا من أجل أن يبرهن على الوجود البدائي الفعلي لشعب مختار ولسلاسل الأنساب التوراتية ، ولكنه واصل رحيله شرقا حتى وصل إلى « سورات » ليجد ثمة خبيئة من النصوص الأقصتية ، وقدّم ترجمة للافيستا ، ولخص الكاتب الفرنسي « شقاب Shwab » نتائج انكيتل ، وملخصها أن ترجمة للافيستا أبانت عن المآثر الباهرة للثقافة والحضارة الفارسية ، كما أبانت أيضا عن حضارات مجهولة لا تحصى تنتمي إلى أزمنة غابرة وإلى عدد لا نهائي من الآداب « 1 » . وبفضل هذه الترجمة للافيستا وهو الكتاب المقدس للفرس انجلت لأوروبا آسيا التي كانت غامضة لديها ، وظهرت واضحة أمامها بعد ما أكسبها اكتشافها بعدها الفكري والثقافي والحضاري . فسعت أوروبا إلى التعرف إليها ، وكشف أسرارها ، ودراسة الآفاق التجارية التي يمكن الحصول عليها منها .

--> ( 1 ) Raymond Schab ; Vie d'Anquetil - Duperron suivie des usages civils et religieux des peres . « Paris Ernest Leroux » 1934 , pp : 10 - 96 .