ساسي سالم الحاج
55
نقد الخطاب الاستشراقي
في عقائده ، وعباداته ونظمه . كما أن هدفه يتجلى في تجزئة المسلمين أينما كانوا حتى يصبحوا أشتاتا متفرقين لا تقوم لهم قائمة ، ولا تجمعهم رابطة ، ولا تؤلف بين قلوبهم مودة . كما تتجلّى أهداف التبشير في تشويه صورة الأمة الإسلامية ماضيا وحاضرا ، وتصوير الإسلام بأنه دين تخلف لا دين تقدم ، وعدم صلاحيته لمواجهة التطورات الحديثة ، وغيرها من الادعاءات التي لا تصمد أمام الحقيقة العلمية الموضوعية . أمّا بالنسبة إلى مفهوم المصطلحين ، فقد شرحنا المقصود بالاستشراق في الفصل الأول ، ولم يبق أمامنا إلّا الإشارة إلى مفهوم التبشير الذي هو الدعوة إلى اعتناق الديانة المسيحية ، ونبذ غيرها من الديانات الأخرى سواء أكانت سماوية أم غير سماوية . كما أن الديانات الأخرى لا تعرف التبشير خاصة اليهودية المنغلقة على نفسها ، إلّا أن الإسلام يطلق على المبشر اسم « الداعية » وشتان بين المفهومين في المحتوى والهدف والوسائل . ومما يجدر ذكره أن المسيحية مبنية في أساسها على التبشير الذي يرقى في تطوره التاريخي إلى الحواريين الذين يطلق عليهم اسم « الرّسل » والذين انتشروا شرقا وغربا لنشر المسيحية والتبشير بها . واستمرت هذه الظاهرة لدى المسيحيين حتى يومنا هذا . أمّا بالنسبة إلى الوسائل فإن الاستشراق يعتمد عادة على العلم والثقافة ، ومحاورة الأفكار ، وعقد الدراسات المقارنة ، وهو موجه بالدرجة الأولى إلى طبقة المثقفين بينما يعتمد التبشير على وسائل أخرى كالمساعدات الطبية والغذائية ، وبناء الملاجئ والمستشفيات وتقديم المساعدات والهبات باسم الإحسان المسيحي ، وخلاصة القول : إن الاستشراق حمل أعباء الأعمال في ميادين المعرفة الأكاديمية واستخدم البحث العلمي في تحقيق أهدافه فلجأ إلى الكتابة والتأليف والمحاضرات والمناقشات العلمية ، والمؤتمرات المنتظمة ، وتأسيس كراس لدراسة الشرق في جميع مناحي حياته . أمّا التبشير فهو يلجأ إلى التأثير على مظاهر الحياة العقلية العامة التي تتناسب ومفاهيم الجماهير كاستخدام وسائل التعليم المدرسي في دور الحضانة ورياض الأطفال والمراحل الدراسية الأخرى ، وكذلك إنشاء المؤسسات الخيرية كالمستشفيات ، ودور الضيافة والملاهي للكبار ودور الأيتام . ونشر الدعاية الواسعة عن طريق الطباعة والنشر والأعمال الصّحافية « 1 » .
--> ( 1 ) عبد الرحمن الميداني ، أجنحة المكر الثلاثة ، المرجع السابق ، ص 112 .