ساسي سالم الحاج
56
نقد الخطاب الاستشراقي
استغل التبشير بعد الحروب الصليبية كمحاولة للتنفيس عن الهزائم العسكرية التي منيت بها أوروبا ، بعد حروب طاحنة امتدت خلال قرنين من الزمان ، حاولت فيها بكل الوسائل البقاء الأبدي في الشرق والسيطرة على بيت المقدس ، وفي هذا الصدد يقول اليسوعيون . . « ألم نكن نحن ورثة الصليبيين ؟ أو لم نرجع تحت راية الصليب لنستأنف التسرب التبشيري والتمدين المسيحي ، ولنعيد في ظل العلم الفرنسي وباسم الكنيسة مملكة المسيح « 1 » ؟ » . باءت محاولة التبشير هي الأخرى بالفشل الذريع ، ولم تسجل الإحصائيات أية نسبة من المسلمين ارتدت عن دينها بالرغم من كل المغريات التي تعرضوا لها . وسترينا هذه الدراسة مستقبلا كيف أن أبناء الصحراء الكبرى لم ينصّر منهم إلّا القليل جدّا ، وكل من كانت له الجرأة على اعتناق المسيحية اضطر إلى مغادرة بلاده « 2 » . لعب المستشرقون والمبشرون أدوارا سياسية في غاية الأهمية أدت إلى انتشار الاستعمار الأوروبي وسيطرته على العالم الشرقي بصفة عامة والعالم الإسلامي بصفة خاصة ، فما هي يا ترى خصائص مرحلة الاستشراق السياسية ؟ هذا ما سنقوم بتحليله في المبحث المقبل . المبحث الثالث مرحلة الاستشراق السياسية بعد انتهاء الحروب الصليبية ، وسقوط الأندلس في أيدي الإسبان . وجد الفرنجة ثروة علمية طائلة من نوادر المؤلفات العربية في شتى أنواع المعرفة ، فاستولوا على هذا التراث ، وجمعوه في مكتباتهم ، وعكف عليه المستشرقون بحثا وتحليلا ، ولم يتركوا جانبا من جوانبه إلّا تناولوه بالدرس والتحقيق ، فتكونت لديهم معارف واسعة عن الشرق من حيث سكانه ، وعاداته ، واقتصادياته ، وطرق تجارته ، ومواطن القوة والضعف فيه . فنشأت دراسات تحليلية عن هذه الأصقاع أعطت صورة واضحة لما هي
--> ( 1 ) د . ساسي سالم الحاج ، مذكرات الاستشراق والتبشير ، قسم الدراسات العليا / شعبة الدراسات الإسلامية ، ص 15 . ( 2 ) جيمس ويلارد ، الصحراء الكبرى ، مكتبة الفرجاني ، طرابلس 1967 م ، ص 409 .