ساسي سالم الحاج
54
نقد الخطاب الاستشراقي
بطون أعداء الدين المسيحي بسيف الكتب المقدسة ، وأن يفند عقائدهم بواسطة عقائدهم هم « 1 » . وبذلك فإن السبب الديني هو الباعث الدافع لهذا المبشر الغريب الأطوار أن يدبج كتابه في النحو العربي للتبشير بالمسيحية أولا ، ومقارعة حجج المسلمين بحجج أخرى مماثلة ثانيا . وكانت أهم خدمة قدمها للاستشراق الديني قيامه بجمع نفائس من المخطوطات والكتب العربية والشرقية خاصة عندما سيطرت على ذهنه فكرة تنصير الشرق عن طريق إنجيل عربي سرياني ، فرحل إلى الشرق وحصل على نفائس من التراث لا تقاس بثمن ، منها على سبيل المثال تاريخ أبي الفداء ، ومؤلفات يوحنا الدمشقي وترجمة سريانية للعهد الجديد من الكتاب المقدس ، وباع هذه المخطوطات النادرة في وقت كانت قد مرّت به أزمة نفسية واقتصادية إلى مكتبة هيدلبرج مقابل مبلغ مالي زهيد « 2 » . هكذا توالت جيوش التبشير بعد اندحار جيوش الاحتلال الصليبي عن أرض الشرق ، واتخذت من الاستشراق وسيلة لتحقيق أهدافها . وحاولنا في العرض التاريخي الذي سردناه بيان هذه العلاقة الوثيقة التي ربطت بين هذين المفهومين ، لتأصيل الظاهرة الاستشراقية الدينية ، التي تحولت إلى وسيلة عسكرية ، وعندما فشلت الأخيرة اتخذ التبشير المظهر الحقيقي للغزو الفكري والديني لبلاد الإسلام بعد أن سخّر الاستشراق لخدمته باعتباره الأداة الثقافية التي لا مناص منها لتحقيق أهدافها . ونحن في هذه الدراسة لا يعنينا تتبع التبشير وبيان مؤسساته ووسائله إلى يومنا هذا ، ولكننا نهتم بالعلاقات التي تربطه بالاستشراق ، فما هي يا ترى أهداف كل منهما ووسائله بعد أن حاولنا البرهنة على أصلهما المشترك ؟ . إن أهداف الاستشراق متنوعة طبقا للمراحل التي مرّ بها ، ورأينا في المرحلة الدينية الخدمات العلمية التي قدّمها للتبشير بالنصرانية ، ومحاولة ردّ المسلمين عن دينهم ونبذ معتقداتهم ، وسترينا هذه الدراسات الأهداف السياسية والعلمية حينما نصل إلى تحليلها في أوانها ، ومع ذلك فإن أهداف التبشير والاستشراق واحدة في هذه المرحلة خاصة إذا علمنا أن هدف التبشير الأساسي هو رد المسلمين عن ديانتهم ، وهدم الإسلام
--> ( 1 ) د . عبد الرحمن بدوي ، موسوعة المستشرقين ، المرجع السابق ، ص 86 . ( 2 ) نجيب العقيقي ، المستشرقون ، المرجع السابق ، ج 1 . ص 172 .