ساسي سالم الحاج

50

نقد الخطاب الاستشراقي

خبت الحماسة الدينية التي دفعت الصليبيين الأوائل إلى خوض غمار هذه الحرب الضروس ، وحدث ذلك الانشقاق بين الكنيسة والإمبراطورية وهبت رياح التغيير على القارة الأوروبية بما تأثرت به من المعارف والأفكار الشرقية خاصة في المجالات الدينية ، ومع ذلك ظهر العديد من الدعاوى تطالب بضرورة وحدة الصف الأوروبي لإعادة الكرة من جديد لاحتلال الشرق والاستحواذ على خيراته . وقد بقيت هذه الدعاوى حبيسة الصدور إلى أن تحققت بعد حين وكان الذين مهدوا لها السبيل هم المستشرقون والمبشرون . التقت أهداف الرهبان والتجار كل حسب غرضه في المطالبة بالعودة إلى الشرق ولكن الحل العسكري لم يجد آذانا صاغية ناهيك عن عدم إمكانية نجاحه ، فاتجهت الأنظار إلى اقتحام هذه الديار بالطرق السلمية واستخدمت الأطراف ذات المصلحة وسيلة التبشير لتحقيق تلك الآمال الضائعة التي عجزت الوسائل العسكرية عن تحقيقها . وبرز إلى عالم الفكر فلاسفة ومفكرون أوروبيون طالبوا بالتنكب عن الحل العسكري واللجوء إلى الحل الفكري لإنهاء المسألة الشرقية وكان على رأس هؤلاء « روجر بيكون Roger Bacon » الذي رأى أن « الحرب المقدسة » عديمة الجدوى للاستيلاء على الشرق ، وأن أفضل وسيلة لنشر المسيحية بين المسلمين هي « التبشير » السلمي والموعظة الحسنة « 1 » . وأرجع عجز المسيحية عن القيام بمهمة التبشير إلى عدة أسباب أهمها عدم معرفة المبشرين بلغات الشعوب التي يراد التبشير فيها ، والجهل بعقائد من يراد تبشيرهم ، وعدم التمكن من الحجج والبراهين الفلسفية والعلمية التي تتخذ كأساس لدعوة غير المسيحيين إليها . هذه الأسباب مجتمعة أدت إلى الاهتمام بالشرق ، والانكباب على تراثه الذي انتقل إلى أوروبا عن طريق المعابر الجغرافية المعروفة ، وعن طريق الحروب الصليبية كذلك أدت هذه الأسباب إلى ضرورة تعلّم اللغة العربية واللغات الشرقية الأخرى ليتمكن المبشر من نشر دعوته وأفكاره والاهتمام بالفلسفة والجدل المنطقي لأنها السبيل الوحيد لإقناع من يراد تبشيرهم بدلا من تقديم مواعظ جاهزة لهم من الكتاب المقدس يقابله أعداؤهم الآخرون بكتاب مقدس لا يقل عن الذي يملكونه . ومن هنا كان الاهتمام بالدراسات الفلسفية للتسلح بسلاح الجدل والمناظرة المبنية على اليقين

--> ( 1 ) سودرن ، المرجع السابق ، ص 34 .