ساسي سالم الحاج

51

نقد الخطاب الاستشراقي

والبرهان . ولكن الفلسفة إذا كانت هي الوسيلة الرئيسة للتبشير بعد اللغة العربية فإنها هي الأخرى ملك العرب والمسلمين ، وهي الميدان الذي يتقنونه بعد أن وفقوا بينها وبين الدين ، فكان لزاما على الغربيين الاطلاع على أسس الفلسفة الإسلامية . وخلاصة فكرة « روجر بيكون » أن الحروب الصليبية امتازت بالقسوة البالغة وأنها عديمة الجدوى ومضيعة للوقت ، وأنه من الواجب تبشير المسلمين ودعوتهم لاعتناق المسيحية بدلا من التفكير في غزوهم في عقر دارهم « 1 » . هذه العوامل مجتمعة أدت بالبابا « أنوست الرابع » إلى إصدار منشورة في 22 من يونيه 1248 إلى مدير جامعة باريس بإنشاء كرسي للدراسات العربية والإسلامية بها . كانت أول مدرسة أنشئت للدراسات الشرقية في أوروبا هي مدرسة طليطلة التي أنشأها مجلس المبشرين عام 1250 ، وكانت تدرس بها اللغتان العربية والعبرية لإعداد من سيقومون بالتبشير بين اليهود والمسلمين . وعندما ازداد الاضطهاد المسيحي للمسلمين في إسبانيا ، وما توالت من نكبات لحقت المكتبات العربية من حرق وإتلاف ، شعر المستنيرون منهم بهذا الخطأ الفادح فاتجهوا إلى تجميع التراث العربي الإسلامي للاستفادة منه ، فدعم « ألفونس » ملك قشتالة أحد المتمكنين من اللغة العربية ويدعى « ميشيل سكوت » ليقوم بالبحث في علوم المسلمين وحضارتهم ، فجمع هذا الشخص طائفة من الرّهبان وشرعوا يترجمون العديد من الكتب العربية إلى اللغة الإفرنجية ، وأرسلت نسخ من هذه الترجمات إلى صقلية التي قام ملكها باستنساخها بدوره ، وأرسل صورة منها إلى جامعة باريس التي أنشئ فيها قسم لتعليم اللغتين العربية والعبرية كما أسلفنا « 2 » . كان أبرز من تخرج في مدرسة الدراسات الشرقية التي أنشئت في طليطلة « ريموند مارتيني Raymond Martini » ، الذي قيل عنه بأنه لم يظهر في أوروبا في تلك العصور من يضاهي هذا العالم في معرفته باللغة العربية والمؤلفين العرب ، وكان يتقن إلى جانب العربية العبرية والكلدانية واليونانية ، وقد تبحّر في القرآن وحفظ صحيحي

--> ( 1 ) د . جمال الدين الشيال ، التاريخ الإسلامي وأثره في الفكر الأوروبي في عصر النهضة ، دار الثقافة ، ص 8 ، بدون تاريخ . ( 2 ) د . محمد عبد الفتاح عليان ، أضواء على الاستشراق ، دار البحوث العلمية ، 1980 م ، ص 130 .