ساسي سالم الحاج
47
نقد الخطاب الاستشراقي
الأخرى فلم تكن لها أطماع سياسية تبتغي تحقيقها في الشرق إلّا في العصور المتأخرة جدّا ، ولم تكن لها أهداف دينية تسعى لنشرها لاستيلاء فرنسا وبريطانيا على هذا الميدان . ومن هنا اعتبر العديد من الباحثين أن الاستشراق الألماني هو نموذج للاستشراق العلمي الصحيح الذي لا تشوبه أغراض أخرى ، فأتت نتائجهم العلمية متفقة ومتطلبات المنهج العلمي الصحيح . خاصة أن هذه الدراسات الألمانية منصبة على التراث العربي القديم ، والتاريخ الكلاسيكي الشرقي البعيد عن السياسة ومتاهاتها . كما أن جوهر هذه الدراسات الألمانية منذ بدايتها كانت منصبة على اللغة العبرية التي من خلالها درست اللغة العربية اعتقادا من دارسيها أن اللغة الأخيرة تساعد على فهم الأولى . ومع ذلك فإننا نستطيع الإقرار بأن الاستشراق الألماني قام لغاية دينية شأنه شأن الاستشراق الفرنسي والبريطاني خاصة في هذه المرحلة التي نؤرخ لها والتي تسبق الحروب الصليبية ، علما بأن بعض الباحثين يرجّحون على أن أول اتصال ألماني مع العالم العربي قد بدأ مع الحملات الصليبية « 1 » وأن الدراسات الاستشراقية الألمانية لم تتوسع إلّا في أوائل القرن الثامن عشر . هذه بعض ملامح الاستشراق الديني في المرحلة التاريخية الواقعة قبل الحروب الصليبية ، فقد كان الهدف الأساسي من هذه الدراسات تبشير المسلمين بالديانة المسيحية ، والعمل على ردهم عن دينهم بكلّ الوسائل ، والانتقام من الفتوحات العربية الأولى التي استولت على أجزاء واسعة من أوروبا . ومع ذلك فقد بقي العالمان المسيحي والإسلامي متجاورين مدة تزيد على أربعة قرون وكانت معرفة كل فريق بالآخر ضئيلة للغاية . بل إن المسيحيين كانوا يعتقدون أن المسلمين وثنيين لا يؤمنون باللّه ، ويطلقون عليهم صفات ونعوتا لا تتفق والحقيقة العلمية ، وإن الخطر الإسلامي بالنسبة إليهم لا يزال ماثلا ، وبالرغم من الدراسات التقريبية الخالية من الحيدة العلمية التي صورت المسلمين بصورة يشوبها الخيال أكثر من الحقيقة ، فقد نشأت تلك الدعوة الملحة إلى ضرورة مواجهة الإسلام بالأساليب العسكرية ، وحل هذه القضية بالاستيلاء مباشرة على قلب العالم العربي ، وإزالة هذا الخطر المحدق الذي يتهددهم عسكريّا وفكريّا وسياسيّا لقرون عديدة - وذلك حسب زعمهم - ومن هنا جاءت الدعوة ملحة إلى شن حروب صليبية كان لها أبلغ الأثر في تطور الاستشراق والتبشير . ولكن قبل
--> ( 1 ) المرجع السابق .