ساسي سالم الحاج
48
نقد الخطاب الاستشراقي
الدخول في تفاصيل هذه المرحلة فإننا نود ملاحظة أنه بالرغم من تلك المؤثرات التي تركها التراث العربي الإسلامي على أوروبا من خلال المعابر الثلاثة المعروفة فإن الإفادة من العلوم المنتقلة إلى أوروبا لم تكن لها فائدة على الصعيد العام ، واقتصرت فائدتها على أوساط معينة من المثقفين ورجال الدين ولهذا فإن الشعوب الأوروبية لم تكد تستمع إلى نداء البابا الثاني في مجمع « كلير مونت » عام 1095 حتى آمنت بكل نداءاته ، فأسرع الكثير منهم لحمل السلاح والصليب ، وهكذا بدأت الحروب الصليبية التي بلغ عددها عشر حملات انتشرت من شمال إفريقيا إلى الشرق الإسلامي ، وكان لها أبلغ الأثر في التقارب الذي حصل بين الشرق والغرب . ولكن أثرها الذي يعنينا هو نشوء الاستشراق وما شابه من ظاهرة التبشير خاصة وأن كنوز المعرفة الشرقية انتقلت إلى الغرب إبان فترة الاحتكاك المتمثلة في الكتب والمخطوطات القيّمة التي سطا عليها الأوروبيون ونقلوها إلى ديارهم ، وأصبحت القاعدة العلمية التي بني عليها الاستشراق إلى يومنا هذا ، بيد أننا لا نتجاوز الحقيقة عندما نؤكد أن أوروبا تدين بنهضتها الحديثة إلى ذلك التراث العلمي والأدبي بحيث كانت المؤلّفات الأوروبية ولأحقاب طويلة عبارة عن نقول من المؤلّفات العربية أو ترجمة لها . تتميز فترة الحروب الصليبية والأحقاب التالية لها بانتشار ظاهرة التبشير حينما كانت الكنيسة الطرف الهام الذي سعى إلى اندلاع هذه الحروب بالتحالف مع النبلاء والأمراء وبذلك فإن دراستنا ستنصب على علاقة الحروب الصليبية بالاستشراق ، واتساع حركة التبشير وهو ما نحاول دراسته في المبحث التالي : المبحث الثاني مرحلة الاستشراق العسكري وانتشار ظاهرة التبشير كانت الحروب الصليبية من أهم الحوادث الكبرى في تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب في العصور الوسطى ، ومن هنا كانت مجالا خصبا لآلاف من الكتب والمباحث والمقالات والتحليلات عن أسباب اندلاعها ونتائجها وآثارها السياسية والعسكرية والثقافية والاجتماعية . هذه الآثار لم يسلم منها الشرق والغرب ، فكلاهما قد أثر وتأثر بصاحبه ، وكل طرف نظر إلى هذه الحروب من زاويته هو ، وكان من العسير على المؤرخ المحايد كتابة تاريخها بموضوعية وحيدة علمية خاصة أولئك الذين عاصروها .