ساسي سالم الحاج

42

نقد الخطاب الاستشراقي

منها مكتبات ضخمة تكلفهم الأموال الطائلة في الوقت الذي يحتقرون الكتب المسيحية وينبذونها « 1 » . إن اتصال الغرب بالحضارة العربية اتصالا فعليّا ومؤثرا تمثل في ظهور طلائع المستشرقين ومعظمهم من الرهبان ومن أوائلهم في تلك الحقبة التاريخية راهب فرنسي يدعى جيبير Gebert المولود عام 938 ، فقد قصد الأندلس وأخذ عن علمائها . وتلقى العلوم الإسلامية بعد أن أتقن اللغة العربية ، وكان من أنبه خريجي جامعة قرطبة من الوافدين حتى اعتبره المؤرخون من أوسع علماء عصره ثقافة بالعربية ، والرياضيات والفلك . وبفضل هذا النبوغ تدرج في السلك الكهنوتي حتى أصبح حبرا أعظم ، وتسمى باسم « سلقستر الثاني » عام 999 ، فأمر على الفور بإنشاء مدرستين عربيتين : الأولى في روما مقر خلافته ، والثانية في « ريمس » بوطنه فرنسا ، ثم أضاف إليها مدرسة « شارتر » ، وقيل إنه أول من صنع ساعة رقاصة ، وبث الأعداد العربية في أوروبا التي كان ينقصها رقم الصفر ، وترجم بعض الكتب الرياضية والفلكية ، وله دراسة عن كتاب إقليدس الهندسي بالعربية « 2 » . كشفت أوروبا في القرن الثاني عشر ثروة إسبانيا المسلمة العلمية ، فهرع العلماء إلى طليطلة ، وقرطبة وأشبيلية وغرفوا من معين الثقافة العربية ، وساعدت حركة الترجمة التي قام بها اليهود إلى نقل العديد من الكتب العربية القيّمة إلى اللغة اللاتينية ، وكانت تتمّ الترجمة أحيانا عن طريق اللغة العبرية ومنها إلى اللّاتينية ، وأشهر مترجمي المؤلفات العربية إلى اللاتينية « يوسف بن قمحي » الذي قام بترجمة كتاب « المرشد إلى واجبات القلب » ألفه فيلسوف يهودي باللغة العربية يدعى « بهيه » « 3 » ، وترجم موسى بن طبّون كتاب العناصر لأقليدس من اللغة العربية ، وكتاب القانون الصغير لابن سينا وكتاب الترياق للرازي ، وشروح ابن رشد الصغيرة لأرسطو . كما ترجم يعقوب بن

--> ( 1 ) د . سعيد عبد الفتاح عاشور ، حضارة ونظم أوروبا في العصور الوسطى ، دار النهضة العربية ، 1976 م ، ص 266 . ( 2 ) أ - نجيب العقيقي ، المستشرقون ، الجزء الأول ، ص 120 . ب - محمود محمد الطناحي ، مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي ، القاهرة ، الطبعة الأولى ، 1984 م ، ص 207 . ( 3 ) ول ديورانت ، قصة الحضارة ، المرجع السابق ، الجزء 17 ، ص 15 .