ساسي سالم الحاج

43

نقد الخطاب الاستشراقي

طبّون العديد من الرسائل العربية إلى اللغة العبرية كما ترجم بعضها إلى اللغة اليونانية . استمرت حركة الترجمة قوية من العربية إلى اللغة اللاتينية ، فاطلع الأوروبيون على هذه الكنوز العلمية الزاخرة ، وعلى أساسها بنوا حضارتهم الحديثة . وبعد حركة الترجمة كوّن الأوروبيون نخبة من العلماء والمتخصصين في الدراسات العربية والإسلامية ، وهؤلاء ممن نعتبرهم بحق طلائع المستشرقين . ولم يكن الدافع إلى هذه الدراسات الاستفادة العلمية فقط ولكن هدفها الحقيقي يتمثل في الاطلاع على التراث الإسلامي والثقافة الإسلامية لمقارعة المبادئ والقواعد الإسلامية بغية دراستها أولا ، وتفهمها ثانيا ، ثم الرّد عليها ثالثا . ومن أشهر الرهبان الأوائل الذين اهتموا بالدراسات العربية والإسلامية « أدلارد أوف باث Adelard of Bath » الذي طلب العلم في مدينة تور بفرنسا ، ثم الأندلس وصقلية ، وعندما رجع إلى إنجلترا عيّن معلما للأمير هنري الذي أصبح فيما بعد الملك هنري الثاني ، واشتهر باختباره سرعة الضوء والصوت ، وقد تضلع كثيرا في الثقافة العربية الإسلامية وفضّل مذهبهم في العلم على مذهب الفرنجة ، فقال في كتابه « المسائل الطبيعية » وهو محاورة بينه وبين ابن أخيه خريج جامعات الفرنجة : « إنني - وقائدي هو العقل - قد تعلمت من أساتذتي العرب غير الذي تعلمته أنت ، فبهرتك مظاهر السلطة ، بحيث وضعت في عنقك لجاما تقاد به قياد الإنسان للحيوانات الضّارية ، ولا تدري لما ذا ، ولا إلى أين ، فقد منح الإنسان العقل لكي يفصل بين الحق والباطل فعلينا بالعقل أولا . . . » « 1 » . ولكن الراهب الذي يهمنا في تأصيلنا للاستشراق هو « بطرس المبجّل » ( 1092 - 1156 ) رئيس ديركلوني الشهير Cluny الذي زار إسبانيا مرتين ، وعني بأحوال المسيحيين الذين كانوا يعيشون تحت حكم المسلمين في إسبانيا ، وكانوا من المتحدثين باللغة العربية . واستقر رأيه على ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية بغية فهمه أولا ، ثم الرّد عليه ثانيا . وفي سبيل هذا لجأ إلى مدرسة المترجمين من العربية إلى اللاتينية في طليطلة التي أنشأها « ريموندو » . فقام بهذه المهمة العالم الإنجليزي

--> ( 1 ) أ - نجيب العقيقي ، المرجع السابق ، ص 122 . ب - محمود محمد الطناحي ، المرجع السابق ، ص 27 .