ساسي سالم الحاج
41
نقد الخطاب الاستشراقي
حركة الترجمة التي شجعها سخاء الخلفاء العباسيين « 1 » . وعن طريق امتزاج هذه الحضارات وصقلها وتهذيبها ، تكوّنت الحضارة الإسلامية التي تمتاز بخصائص فرضتها لغتها ودينها ومعتقداتها ، ولكنها دفعت بالحضارة الإنسانية خطوات حثيثة وبارزة إلى الأمام . ونحن نترك في هذه المرحلة من دراستنا أثر الشام والقسطنطينية في انتقال الثقافة الإسلامية إلى أوروبا لمعالجتها في المبحث الخاص بالحروب الصليبية وأثرها على نشوء وانتشار الظاهرة الاستشراقية ، وسنقتصر في هذا السياق على الأثر الذي خلفته الأندلس في هذا المضمار وانبهار الغرب بالثقافة والحضارة الإسلامية وسعيه الحثيث للاغتراف من معينها . فقد أعجب الإسبان بثقافة العرب وحضارتهم ، وأرسلت الدول الأوروبية الأخرى الرهبان والقساوسة لطلب العلم والمعرفة من الجامعات العربية المنتشرة في ربوع إسبانيا وخاصة جامعة قرطبة التي كانت قبلة طلاب العلم ، يفدون إليها من جميع الأصقاع وساعد على قيام هذه النهضة العلمية بالأندلس سياسة التسامح التي اتبعها المسلمون تجاه أهل الذمة من نصارى ويهود ، فتعلم الإسبان والطلبة الوافدون من أوروبا اللغة العربية - وهي اللغة العالمية المستخدمة في العلوم والآداب في ذلك الزمان - . وقد شارك اليهود في نشر الثقافة الإسلامية بالأندلس في هذه المرحلة التاريخية - أي في القرنين الثاني عشر والثالث عشر - بما ترجموه من كتب عربية كثيرة انتقلت إلى غرب أوروبا وانتشرت في جامعاتها كمؤلفات ابن طفيل ، وابن رشد وصارت تدرّس في تلك الجامعات إلى أواخر القرن الخامس عشر « 2 » . كان إعجاب الغربيين بالحضارة الإسلامية عظيما ، حتى إن كاتبا مسيحيّا متعصبا ذكر في القرن التاسع الميلادي أن المسيحيين يدرسون كتب فقهاء المسلمين وفلاسفتهم لا لتفنيدها بل للتعلّم بأسلوب عربي بليغ . . . وإن الشبان المسيحيين لا يعرفون علما ولا أدبا ولا لغة إلّا العربية ، وإنهم يقبلون على كتب العرب بنهم وشغف ، ويجمعون
--> ( 1 ) دومينيك سورديل ، الإسلام في القرون الوسطى ، ترجمة علي المقلد ، دار التنوير للطباعة والنشر ، ط 1 ، 1983 م ، ص 46 . ( 2 ) دي لاسي أوليري ، المرجع السابق ، ص 231 - 232 .