ساسي سالم الحاج
40
نقد الخطاب الاستشراقي
واستمرت هذه المواجهة العنيفة إبان القرون الوسطى بكاملها ، وكانت الحروب الفكرية والعسكرية سجالا بين الطرفين ، بداية من الفتح الإسلامي لسوريا والشام والأناضول حتى مشارف القسطنطينية ونهاية بطرد الروم من مصر وشمال إفريقيا . ثم تجددت الحروب العسكرية بين المسيحية والإسلام وهو ما أطلق عليه اسم الحروب الصليبية ، وهي تلك الحملات العسكرية التي قام بها الغرب المسيحي على الشرق الإسلامي ثم امتدت هذه الحملات العشر حتى شملت شمال إفريقيا أيضا . ومما يميز هذا الصراع اتسامه بالطابع الديني . وانتهى الصراع الأول بطرد الصليبيين من الشرق الإسلامي وسقوط مدينة القسطنطينية في يد الأتراك عام 1453 . ثم تطور هذا الصراع الحربي في العصر الحديث والذي تمثل في استعمار أوروبا للعالم الإسلامي ، ومقاومة الأخير لهذا الاستعمار الذي نتج عنه طرد الغزاة من جديد ، فتبدل الصراع من استعمار استيطاني عسكري مباشر إلى استعمار فكري وثقافي لا نزال نشهد أواره ، ونراقب أحداثه ، وننتظر نتائجه . ونحن في هذا البحث لا يهمنا الصراع العسكري المباشر ووصفه بجميع تفاصيله ، فذلك شأن المؤرخين ، ولكننا نؤرخ للصراع الفكري والثقافي بين المسيحية والإسلام عبر تلك الحملات العسكرية المتعددة لتأصيل بداية الاستشراق الذي اتسم بالطابع الديني في مرحلته المبكرة ، فكيف تم ذلك يا ترى ؟ . بعد أن خرج العرب من جزيرتهم وأسسوا امبراطوريتهم الواسعة ، وكوّنوا تلك الدولة الموحدة المترامية الأطراف الممتدة من إسبانية والمحيط الأطلسي غربا إلى حدود الصين شرقا ، أسسوا بجانب ذلك حضارة عالمية ذات أهمية بالغة في التاريخ البشري الذي نقلت إليه تراث الحضارات القديمة ، بعد أن استوعبتها وصقلتها ، وأدخلت عليها أوجه التبديل والتغيير المطلوبة ، وصبغتها بصبغتها المتميزة ودفعت بها إلى العالم المسيحي الذي كان يناصبها العداء عن طريق المعابر الجغرافية المعروفة ألا وهي القسطنطينية وجنوب أوروبا والأندلس . تكوّنت الثقافة العربية الإسلامية من المصادر الأصلية كالقرآن وما يحتويه من تعاليم سامية تنظم الشؤون الدينية والدنيوية للمسلمين ، ومن الشعر والنثر اللذين كان يمتاز بهما العرب خاصة الفصاحة والبلاغة ، إلّا أنها تطورت لتشمل ثقافة إنسانية أشمل وأعم وهي الحكمة الفارسية والهندية ، والإغريقية التي وصلت إلى المسلمين عن طريق