ساسي سالم الحاج
36
نقد الخطاب الاستشراقي
هذه القواعد عندما قال : إن التاريخ في ظاهره أخبار وفي باطنه نظر وتحقيق . ونحن عندما نشير إلى هذه اللمسات التاريخية فلا نقصد من ورائها تتبع مسار موضوعنا فقط ، ولكن لكي نستنتج من هذا المسار ظروفنا الحالية لبناء نتائج عملية تتفق وما أخبرنا به التاريخ بعد استقرائه واعتبار حوادثه . نعم ، لقد تغلبت سنن الروم على الشرق في تلك الأزمان الغابرة ، كما تغلبت البرتغال بعدهم بأحقاب طويلة على طرق التجارة العربية إبان الاستكشافات الجغرافية الأوروبية ، وكما تغلب عليهم حاليا الغرب بسيطرته الاقتصادية وإدخال نمط حياته إليهم ، واستنزاف ثرواتهم ، وتحويلهم من أمة منتجة إلى أمة مستهلكة ، وما يتبع ذلك من سيطرة سياسية وعسكرية واقتصادية لا نزال نعاني من آثارها الكثير . إن السرد التاريخي الذي قمنا به كان الغرض منه تتبع العلاقات بين الشرق والغرب وكيفية الاتصال الذي تم بينهما ، والآثار السياسية والاقتصادية والحضارية الناجمة عن ذلك الاتصال ، حتى نؤصل حركة الاستشراق من أساسها تأصيلا تاريخيّا نعرض فيه بشيء من العمق وبقليل من التفاصيل هذه العلاقة التي لم ننج من آثارها إلى عصرنا الحاضر . ذكرنا في مقدمة دراستنا أننا سنتناول بالدرس والتحليل العلاقة بين المسيحية والإسلام بعد تعرضنا لهذه العلاقة بين الشرق والغرب حتى تقودنا دراستنا بشيء من التسلسل التاريخي والمنطقي والفكري إلى تحديد نشوء الاستشراق ومن قبله التبشير بعد بروز العالم المسيحي إلى حيز الوجود ، ومن هنا أخذت العلاقات الدولية تنظم المفاهيم والقيم والأفكار والدبلوماسية التي سادت في هذه الحقبة التاريخية ، والتي نعتبرها بداية حقيقية للاستشراق الديني . إن العرض الذي أتينا على ذكره هو بمثابة تمهيد لموضوعنا الأساسي وهو تأصيل الاستشراق وبيان المراحل الأساسية التي مرّ بها ، وعلاقته بالتبشير ، والأهداف الاستعمارية والسياسية والاقتصادية والعلمية التي سعى إلى تحقيقها ، مع بيان خصائص كل مرحلة ، وما تمتاز به من أعمال ثقافية وحضارية ساعدت على كشف الشرق بصفة عامة والإسلام بصفة خاصة ، ونقسم الفصل بعد التمهيد الطويل الذي سطرناه إلى المباحث التالية : المبحث الأول : المرحلة الدينية للاستشراق وعلاقته بالتبشير .