ساسي سالم الحاج

24

نقد الخطاب الاستشراقي

« الظاهرة الاستشراقية » . . ولم نقل « علم الاستشراق » لأنه يشمل عوالم متباينة ومختلفة يحمل كل منها مفهوم المجال الذي يتناوله . فإذا كانت مفاهيم الشرق بصورة عامة ومفاهيم العالم الثالث والشرق الأوسط بصفة خاصة لا تحمل الطابع العلمي الصرف ، فإن مفهوم الاستشراق يصبح هو الآخر كذلك ولا نستطيع أن نصفه « بالعلمية » ، مهما استخدمنا مناهج البحث العلمي في دراسة مجالاته . وخلاصة القول : ليس هناك مفهوم محدد متفق عليه حول الاستشراق ومجالاته والحقول التي يعالجها ، فهناك من يطلق هذا المفهوم على كل من يقوم بدراسة الشرق حتى وإن كان ليس من المتخصصين في الدراسات الإسلامية ، ولكنهم بصفتهم يعنون بالمسائل والقضايا الشرقية دون أن يكونوا هم من هذه الأصقاع . ومنهم من ينظر إليه على أنه تلك الموضوعات والدراسات الإسلامية والمشرقية التي يعالجها المستشرقون بمناهج وطرق علمية كتلك التي يتبعها الغربيون في دراساتهم . ومنهم من اعتبر القائمين بتلك الدراسات لتحديد مفهوم الاستشراق حتى وإن كانوا لا يتقنون اللغات الشرقية ، ولا يعرفون تاريخ الشرق ، وحضارته وخصائصه ، وهم الذين صنفناهم تحت خبراء النفط ، والجواسيس ، ورجال الاستخبارات الغربية المتخفين تحت قناع الدبلوماسية الذين يجدون من يقرأ تقاريرهم وبحوثهم سواء تمّ التعويل عليها أو كان مصيرها الإهمال . ونظرا لهذا التباين الشديد لمفهوم الاستشراق ، والفئات التي تقوم بهذه الدراسات فإن الآراء قد اختلفت حول مصداقية دراساتهم ، والأغراض التي سعوا لتحقيقها من وراء هذه الدراسات ، كما اختلفت النظرة إلى هؤلاء الناس بين مؤيد لهم ومعارض لدراساتهم ، فمنهم من يعتبرهم صادقين في أعماقهم ، حسني النيّة في استنتاجاتهم العملية ، ومنهم من يرونهم معول هدم للإسلام والقيم الشرقية ، وأدوات صالحة للتغلغل الاستعماري والنفوذ السياسي ، فما حقيقة هذه الظاهرة يا ترى ؟ . اختلفت الآراء حول هذا التساؤل . فبعض المثقفين اعتبر المستشرقين جواسيس وعملاء ، ولا فائدة ترجى من أعمالهم مهما اتصفت بالموضوعية والحيادية . وبعضهم الآخر غالى في قيمة أعمالهم ، ونفى عنهم كل تعصب ، واعتبرهم الوحيدين الذين قدموا خدمات جليلة للثقافة والحضارة الإسلامية والشرقية . ونحن من خلال ما سينكشف من هذه الدراسة ، سنكون في موقف وسط ، فلا ننظر إلى المستشرقين نظرة تشاؤمية مليئة بالشك والظنون ، ولا نعتبرهم من أولئك