ساسي سالم الحاج

25

نقد الخطاب الاستشراقي

الذين لا يتطرق الباطل والهوى إلى أعمالهم ، ولكنهم أناس درسوا الحضارة الشرقية ، فمنهم المتعصب ، ومنهم المتسامح ، ومنهم من تقوده عاطفته وهواه إلى استنتاجات خاطئة ، ومنهم من كان الصواب إلى جانبه ، فقدّم خدمات جليلة للإسلام والحضارة الشرقية . إن النظرة التشاؤمية لأعمال المستشرقين كان مرجعها تلك الأهداف والغايات التي سعوا إلى تحقيقها من خلال إنتاجهم ، فالفريق الذي لا يرى إلا الشر وسوء النّية لديهم يبرر دعواه على أن هؤلاء الناس كانت لديهم دوافع دينية ، واقتصادية واستعمارية وسياسية ، وبذلك فهم عملاء للاستعمار ، وأعداء العروبة والإسلام ، وأن أهدافهم لا تخرج عن كونها التشكيك في صحة نبوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأن القرآن ليس كتابا سماويّا ، ولكنه من صنع النبي وبعض أصحابه ، وأن مصادره مستقاة من الديانتين اليهودية والنصرانية من جهة ، وما ساد الجاهلية من فقه وأعراف من جهة أخرى ، كما أن الأحاديث النبوية في رأيهم ليست صحيحة ، وإنما كان مصدرها الوضع والتدليس نتيجة الانقسامات السياسية الإسلامية وأن الفقه الإسلامي خال من الأصالة والاستمرارية ليكون صالحا في كل مكان وزمان « 1 » . وقلة قليلة جدّا من أولئك المستشرقين - ممن لديهم الرغبة الصادقة ، أو النيّة الحسنة - اتجهوا ببحوثهم إلى تحقيق أهداف علمية خالصة . ومع ذلك فإنهم لم يسلموا من الأخطاء والاستنتاجات البعيدة عن الحق ، إمّا لجهلهم باللغة العربية وإمّا لجهلهم بالأجواء الإسلامية التاريخية على حقيقتها « 2 » . والفريق التفاؤلي يرى أن المستشرقين قدموا خدمات جليلة للإسلام والحضارة الشرقية ، فهم الذين جمعوا التراث ، وحفظوه من الضياع ، وحققوا المخطوطات الإسلامية تحقيقا علميّا وأبرزوا للعالم ما للحضارة الإسلامية من رقي وسمو من خلال ما نشروه من هذا التراث نشرا يعتمد على أدق منهج للتوثيق والتحقيق ، كما أنهم عمدوا إلى القرآن والحديث فطبعوا كل ما يتصل بهما من جيّد المؤلفات ، وفهرسوها ، وبوبوها ورتبوها ترتيبا عجز عنه علماء المسلمين ، كالمعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم للمستشرق « فلوجيل » ، والمعجم المفهرس للسنة النبوية لجماعة من

--> ( 1 ) د . ساسي سالم الحاج ، الاستشراق والتبشير ، مذكرات لطلبة الدراسات العليا 1985 م ، ص 36 ، 37 . ( 2 ) عبد الرحمن الميداني ، أجنحة المكر الثلاثة ، دار القلم ، بيروت / 1975 م . ص 98 .